لا أحد يطالب القوات اللبنانية بالصمت إزاء ملف أمني بالغ الخطورة، أو أن يقلّل من أهمية قضية المتفجرات وضرورة كشف ملابساتها ومحاسبة المسؤولين عنها، كما لا احد يتجاهل اعتراضها على المماطلة في معالجة ملف الكهرباء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يُشكّل استمرار غياب وزراء القوات عن جلسات مجلس الوزراء الوسيلة الأجدى لتحقيق هذه المطالب، أم أنه يتحوّل إلى خطوة مُكلفة سياسياً وحكومياً، تتجاوز حدود الاعتراض المشروع، إلى إرباك العمل التنفيذي؟
قد تكون المقاطعة تحمل بعض الإيجابيات بالنسبة إلى القوات. فهي تؤكد تمسّكها بمواقفها، وتبعث برسالة مفادها أن الملفات الأمنية والسيادية لا يجوز إخضاعها للتسويات السياسية.
لكن هذه المكاسب تبقى محدودة إذا لم تفضِ المقاطعة إلى نتائج عملية. فالحكومة ليست ساحة لتبادل الرسائل السياسية فحسب، بل مؤسسة يفترض أن تستمر في اتخاذ القرارات ومواجهة الأزمات. وغياب الوزراء، وإن لم يؤدِّ حكماً إلى تعطيل النصاب أو شلّ المؤسسات، فهو يضعف مبدأ المسؤولية الجماعية والتضامن الوزاري، ويطرح تساؤلات عن جدوى المشاركة في السلطة، إذا كان الخلاف مع مكوّناتها ينتهي إلى الابتعاد عن طاولة القرار.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها: كيف يمكن لحزب لطالما شدّد على بناء الدولة ومؤسساتها، واحترام التضامن الوزاري، أن يوازن بين حقه في الاعتراض وواجبه في المشاركة في إدارة شؤون البلاد؟ فالدفاع عن السيادة لا ينفصل عن حماية انتظام المؤسسات، تماماً كما أن التمسك بالمبادئ، لا يعني التخلي عن الدور وأدوات التأثير المتاحة داخل الحكومة.
وتزداد خطورة هذا السجال في مرحلة لبنانية بالغة الدقة، مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتداعياتها الأمنية والإنسانية، وتصاعد المواجهة الإقليمية التي تطاول السعودية ودول الخليج، وما يرافق أزمة مضيق هرمز من مخاطر على إمدادات الطاقة والأسعار والاقتصادات. وفي الداخل، يرزح المواطن تحت أعباء الغلاء، وانقطاع الكهرباء، وتراجع فرص العمل، والركود الذي يطاول المؤسسات والأسر معاً.
في مثل هذه الظروف، لا يحتاج اللبنانيون إلى مزايدات شعبوية ولا إلى سباق على تسجيل النقاط، بل إلى حكومة تعمل، وقرارات تُتخذ، ومحاسبة جدّية، وخطاب سياسي يرتقي إلى مستوى المخاطر. فالمواطن الذي يعجز عن تأمين احتياجاته الأساسية لن تقنعه بيانات التصعيد ما لم يلمس نتائج ملموسة في حياته اليومية.
ليس المطلوب من القوات التراجع عن اعتراضها وحسب، بل تحويله إلى مبادرة سياسية فاعلة من داخل الحكومة، وممارسة الضغط والمساءلة، مع إبقاء أبواب الحوار مفتوحة.
السياسة ليست مجرد إعلان للمواقف، بل امتحان للقدرة على تحويلها إلى إنجازات. وفي زمن الأخطار الكبرى، تبقى المصلحة الوطنية العليا أوسع من الحسابات الحزبية، وتبقى الدولة القوية بحاجة إلى معارضة مسؤولة، كما تحتاج إلى حكومة متماسكة لا تخضع للتسويات على حساب السيادة والقانون.
-صلاح سلام- اللواء






