جوانا فرحات
المركزية – لبنانية أم غير لبنانية؟ هو الجدل التاريخي القائم منذ عقود على هوية مزارع شبعا وحتى اللحظة، لا يزال هذا الجدل قائما في ظل صمت رسمي لافت من جانب الدولة اللبنانية والمواقف غير الرسمية التي تؤكد أن المزارع وعددها 14 التي احتلتها إسرائيل عام 1967 هي جزء من الأراضي اللبنانية وتطالب بترسيم الحدود مع سوريا قبل التوصل لأي اتفاق، استناداً إلى وثائق وخرائط تاريخية.
سورياً التفسير أيضا يحمل جدلا عقيما. فالنظام السابق أكد على لبنانية مزارع شبعا لتبرير سلاح المقاومة وربط ترسيم الحدود بانسحاب إسرائيلي كامل من المنطقة، في حين يعتبر النظام السوري الجديد أن مزارع شبعا سورية ويطالب بانسحاب إسرائيل منها.
يبقى الموقف الإسرائيلي الذي يعتبر أن مزارع شبعا هي جزءٌ من الأراضي التي كانت تحت السيطرة السورية عند احتلالها عام 1967، وأن المطالبة اللبنانية بها مدفوعة بمواقف حزب الله.
إذا الجدل البيزنطي لا يزال قائمًا وسيبقى إلى أن يصار إلى ترسيم الحدود البرية مع سوريا. إلا أن تصريحات الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس الذي زار سوريا الأسبوع الفائت فتحت هامشا واسعا من الجدل عندما صرّح بأن الجولان أراض سورية من دون أن يأتي على ذكر مزارع شبعا المحتلة من إسرائيل أو الاعتراف بأنها سورية، بعدما تبين ان النظام الجديد في سوريا يتمسك بالهوية السورية لمزارع شبعا في وقت كان نظام الأسد اعترف بلبنانيتها في القمة اللبنانية- السورية عام 2008 بين الرئيسين اللبناني ميشال سليمان والسوري بشار الاسد في البيان الختامي .
بحسب القرار 1701 الذي صدر في آب 2006، نص واضح تشجع فيه الحكومة السورية على التجاوب مع المطالب اللبنانية الداعية إلى ترسيم الحدود المشتركة بين البلدين، ولا سيما في المناطق الحدودية الملتبسة أو المتنازع عليها.
وفي تقرير لمجلس الأمن الدولي الصادر في أيلول 2006 بشأن تطبيق القرار 1701، أكد كوفي عنان الامين العام السابق للامم المتحدة أن حل قضية مزارع شبعا يستلزم التوصل إلى اتفاق لبناني سوري بشأن ترسيم الحدود الدولية بينهما. وأرفق في تقريره اقتراحا تقدم به رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة يقضي بنقل منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا إلى وصاية الأمم المتحدة حتى تتوضح هويتها السيادية. غير أن الأمين العام أشار إلى أن النطاق الجغرافي لشبعا غير محدد بدقة، مما يعرقل تطبيق هذا الحل.
إذا سلمنا جدلا بأن مزارع شبعا سورية فلماذا لم يتم تسجيلها وإصدار مستندات قانونية لأصحابها؟ سؤال مشروع علما أن الخرائط الرسمية اللبنانية الصادرة عن وزارة الدفاع في فترة ما قبل الحرب الأهلية تثبت، أن المزارع تقع ضمن الحدود اللبنانية. وهناك جزء من الأراضي، مثل "مشهد الطير" الذي يضم مقام النبي إبراهيم الخليل، مملوكة من قبل الأوقاف الإسلامية في شبعا.
بعد الدخول السوري إلى لبنان تبدلت الخرائط الأصلية وظهرت أخرى تظهر ترسيماً مغايراً للحدود وباتت مزارع شبعا داخل الحدود السورية. فهل يفسَّر صمت غوتيريش بتفادي فتح صفحة جديدة من الجدل حول هوية مزارع شبعا أم أنه يملك ما يكفي من المعطيات التي تحدد هويتها لكنه فضّل التزام الصمت راهنا إلى حين البت بمسألة ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل؟
الباحث في تاريخ الشرق الأوسط الدكتور مارك أبو عبدالله يجزم أن مزارع شبعا لبنانية والدولة اللبنانية وحدها مسؤولة عنها. فهل يعني ذلك أحقية الذريعة التي يتمسك بها لجهة عدم تسليم سلاحه لتحرير الأراضي اللبنانية من الإحتلال الإسرائيلي ومن ضمنها مزارع شبعا؟
إطلاقا يقول أبو عبدالله لـ "المركزية" ولو أردنا مجاراة الحزب بشعاراته الوهمية حول التمسك بالسلاح ورفض كل القرارات الدولية والمحلية الصادرة عن الحكومة بضرورة تسليمه فالسلاح الذي يتمسك به هو لتحرير القدس بحسب شعاراته وليس مزارع شبعا أو القرى والبلدات التي يتمركز فيها الجيش الإسرائيلي بسبب حربي الإسناد اللتين أعلنهما الحزب على إسرائيل دعما لولاية الفقيه و ثأرا لمقتل وليها علي خامنئي.
وعن تبني النظام السوري الجديد هوية مزارع شبعا، يوضح أن الهدف هو سحب الذريعة التي يتمسك بها حزب الله باعتبارها لبنانية ومحتلة من قبل إسرائيل. لكن لا يمكن اعتبارها الطريقة الأمثل لإظهار الموقف السوري الرافض لوجود حزب الله وسلاحه غير الشرعي .أضف إلى ذلك أن هناك خرائط ووثائق تؤكد على لبنانية مزارع شبعا. لكن الإشكالية لا تتوقف على مواقف واعترافات النظام السوري القديم أو الجديد أو بعدم مجيء غوتيريش على ذكر مزارع شبعا خلال لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع، إنما على الدولة اللبنانية التي لم تقم بأي خطوة أن تفك عقدة صمتها وتثبت أن مزارع شبعا لبنانية وفق الوثائق والخرائط التي تملكها. ومن يدري قد يتبين أنها فعلا غير لبنانية لكن على الأقل تكون قامت بواجبها.
انطلاقا مما تقدم، يمكن تفسير صمت الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش بأنه محاولة لتدوير الزوايا وتفادي الدخول في جدل عقيم مع حكومة إسرائيل حول لبنانية أو سورنة مزارع شبعا.
وإلى حين خروج الدولة اللبنانية عن صمتها تبقى الوثائق والخرائط التي تثبت أن مزارع شبعا لبنانية مئة في المئة والمطلوب الإعتراف بذلك والمطالبة بخروج الجيش السوري منها رسميا وليس بسلاح حزب الله غير الشرعي.






