بعد سنوات من الضغوط غير المسبوقة، تعود شركة "هواوي" الصينية إلى الواجهة بقوة، في تطور يعيد رسم ملامح المنافسة التكنولوجية بين بكين وواشنطن، ويطرح تساؤلات جدية حول فعالية القيود الأميركية على قطاع أشباه الموصلات.
ففي مايو 2019، عندما قررت الولايات المتحدة قطع إمدادات الرقائق والبرمجيات وتقنيات التصنيع المتقدمة عن "هواوي"، اعتبر كثير من المحللين أن هذه الخطوة تمثل ضربة قاضية لعملاق التكنولوجيا الصيني. غير أن ما جرى لاحقاً كشف عن استعدادات طويلة الأمد قلبت المعادلة.
استعداد مبكر لـ"أسوأ السيناريوهات"
في ذلك الوقت، عمّمت هي تينغبو، رئيسة وحدة الرقائق "هاي سيليكون"، رسالة داخلية وصفت فيها الحظر بأنه "أحلك الأيام"، لكنها كشفت أيضاً أن الشركة أمضت نحو عقد كامل في الاستعداد لما سمّته "سيناريو البقاء في أقصى درجاته"، بحسب تقرير على صحيفة فاينانشال تايمز.
وبحسب نسخة من الرسالة اطلعت عليها "فايننشال تايمز"، طوّرت هواوي رقائق احتياطية عبر نطاق منتجاتها تحسّباً لإمكانية انقطاع الإمدادات الأجنبية في أي وقت، وهو ما شكل لاحقاً حجر الأساس لعودتها.
اختراق تقني في مواجهة القيود
لسنوات، أبقت الشركة هذه الجهود طي الكتمان إلى حد بعيد. لكن في مؤتمر لأشباه الموصلات عُقد في شنغهاي خلال مايو الماضي، قالت هي أمام آلاف التنفيذيين في القطاع إن هواوي نجحت في الالتفاف على إحدى أكبر عقبات القيود الأميركية على الصادرات بحرمان الصين من الوصول إلى أحدث معدات تصنيع الرقائق في العالم.
الإعلان، الذي تمحور حول نهج "تكديس الرقائق" لتعزيز القدرة الحاسوبية من دون الاعتماد على أحدث أدوات التصنيع، وصفه محللو "برنشتاين" بأنه "لحظة ديب سيك جديدة" — في إشارة إلى مختبر الذكاء الاصطناعي الذي تحدّت نماذجه الافتراضات بشأن الفجوة بين الصين ووادي السيليكون تحت وطأة القيود التصديرية.
رهان على الاكتفاء الذاتي
أصبحت عودة هواوي واحدة من أكثر القصص تأثيراً في معركة التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والصين. فبعد سبع سنوات من استبعادها من حسابات كثيرين في الصناعة، تراهن الشركة على قدرتها على دفع مساعي الصين لتحقيق الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات، وتحدي فاعلية الجهود الأميركية لاحتواء صعودها التكنولوجي.
ويستند هذا العرض لجهود إعادة بناء نشاط الرقائق في هواوي إلى مقابلات مع أكثر من 12 موظفاً وشريكاً وخبيراً في القطاع، إضافة إلى تفاصيل غير منشورة سابقاً عن مشاريع أشباه الموصلات حصلت عليها "فايننشال تايمز".
قدّمت هي، البالغة 56 عاماً والملقبة بـ"ملكة الرقائق" في الصين، تقنية "تكديس الدوائر المنطقية" التي تُطوى فيها الدوائر داخل طبقات متعددة لزيادة الأداء الحاسوبي دون الحاجة إلى تصغير الترانزستورات باستمرار.
يذكر أن تكديس الدوائر المنطقية هو وضع طبقات من الدوائر الإلكترونية (المسؤولة عن معالجة البيانات) فوق بعضها بدلاً من وضعها جنباً إلى جنب. هذا الأسلوب الهندسي يحول الرقائق من بُعدين إلى هيكل ثلاثي الأبعاد لزيادة الأداء وكثافة الترانزستورات
وحظرت الولايات المتحدة على الصين تكنولوجيا آلات الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، وهي الأكثر تقدماً في هذا المجال وتنتجها شركة "إيه إس إم إل" الهولندية.
وكان كثير من المحللين يرون أن هذا الحظر سيمنع صانعي الرقائق الصينيين من تجاوز تقنيات 7 نانومتر، التي تُعد الحد الأقصى الممكن باستخدام المعدات الأقدم.
وقال لين تشينغيوان من "برنشتاين": "هذا يكسر السردية الأساسية التي تقول إن أشباه الموصلات الصينية وصلت إلى طريق مسدود عند 7 نانومتر بسبب القيود التصديرية".
وأضاف: "كان على هواوي أن تثبت نجاح ذلك أيضاً لإظهار للحكومة أنها لا تهدر الأموال وأن لديها مستقبلاً".
الذكاء الاصطناعي: التحدي الأكبر
وتعتقد هواوي أن هذه التقنية باتت جاهزة لرقائق الهواتف الذكية المتوقع إطلاقها لاحقاً هذا العام، وفق مصادر مطلعة. لكن تحديات كبيرة لا تزال قائمة، تشمل استهلاك الطاقة وارتفاع الحرارة وإمكانية تحقيق معدلات إنتاج تجارية مجدية.
في المقابل، تبدو الطريق أكثر تعقيداً في رقائق الذكاء الاصطناعي الخاصة بمراكز البيانات. وقالت هي في شنغهاي إن التقنية لن تكون جاهزة لمعالجات الذكاء الاصطناعي قبل عام 2030، نظراً لتعقيداتها الهندسية المرتبطة بتكديس طبقات أكثر كثافة من المنطق والذاكرة.
وتتبنّى هواوي مساراً بديلاً آخر: تعويض ضعف أداء الرقاقة الواحدة عبر ربط أعداد كبيرة منها في مجموعات حوسبة قوية.
وانطلاقاً من خبرتها في شبكات الاتصالات، تربط منصة "كلاود ماتريكس 384" مئات المعالجات ضمن نظام واحد، وتقول الشركة إنه يتفوق على نظام "NVL72" واسع الاستخدام من "إنفيديا" من حيث القدرة الحاسوبية الإجمالية والذاكرة — في استراتيجية تهدف إلى تعويض ضعف الرقائق عبر الحجم.
وتستهدف هواوي إنشاء مجموعات أكبر بكثير باستخدام أحدث رقائقها للذكاء الاصطناعي، بما يتيح تنفيذ مهام تدريب النماذج، وفق أشخاص مطلعين على الخطط.
ومع ذلك، فإن فكرة استخدام التغليف المتقدم والتصاميم ثلاثية الأبعاد للرقائق ليست حكراً على هواوي. فقد استكشفت شركات مثل "تي إس إم سي" هذه الأساليب قبل سنوات، فيما تطور شركات ناشئة صينية عدة رقائق ذكاء اصطناعي تقوم على مفاهيم مشابهة.
ويقول مستثمرون إن بعض هذه الشركات الناشئة يستعد لطرح نماذج أولية هذا العام قد تضاهي من حيث الأداء رقائق "B200" من "إنفيديا" إذا نجحت، لكن الإنتاج التجاري لن يبدأ قبل منتصف 2027 على أقرب تقدير.
ويرى منتقدون أن الشركات الغربية يمكنها اعتماد الأساليب نفسها فوق رقائق أكثر تقدماً، ما يبقيها في موقع الصدارة.
في المقابل، يعتقد مؤيدون أن لدى الشركات الغربية حافزاً محدوداً حالياً لتطوير هذه التقنيات، بسبب تكلفتها البحثية العالية طالما أنها لا تزال قادرة على تصغير الترانزستورات باستخدام EUV.
وتسعى الصين لتحقيق سبق في تقنيات التكديس، وتأمل دمجها مستقبلاً مع بدائل محلية لأدوات الطباعة الغربية، بما يتيح لها تجاوز المنافسين، وفق خبراء الصناعة.
ورغم أن رقائق الذكاء الاصطناعي الصينية لا تزال متأخرة بجيلين على الأقل عن أحدث منتجات "إنفيديا"، فإنها تتفوق في بعض الجوانب على تلك المتاحة للبيع داخل الصين وفق القيود الأميركية، بحسب بيانات جمعها محللو "مورغان ستانلي".
كما يشهد مصنعو الرقائق الصينيون، بقيادة هواوي، ارتفاعاً حاداً في الطلب، مع توجه شركات التكنولوجيا المحلية لاستخدام منتجات كانت تتجنبها سابقاً بسبب ضعف الأداء وصعوبة البرمجيات.
وقال مسؤول مشتريات في شركة تكنولوجيا صينية كبرى: "لم تعد هواوي وحدها، بل إن معظم مصنعي رقائق الذكاء الاصطناعي في الصين نفدت منتجاتهم بسبب الطلب المتزايد على تطبيقات الاستدلال".
وأضاف: "تتحسن المنتجات فقط عندما يبدأ عدد أكبر من الناس باستخدامها وإدخال التعديلات عليها".
لكن عنق الزجاجة يبقى في التصنيع. فقيود التصدير الأميركية تمنع الشركات الصينية من استخدام مصانع متقدمة في الخارج مثل "تي إس إم سي"، ما يفرض اعتمادها على المنتجين المحليين بقيادة "إس إم آي سي". ورغم توسيع الإنتاج المتقدم وبدء خطوط تصنيع مخصصة لهواوي هذا العام، لا يزال الطلب يفوق العرض.
ويفسّر هذا النقص محدودية طموحات هواوي الخارجية في الوقت الراهن. ومع ذلك، بدأت الشركة بالفعل تسويق أنظمة تجمع بين رقائقها "950DT" ونموذج "ديب سيك V4" لعملاء في الشرق الأوسط ووسط آسيا، وفق مصادر مطلعة.
وقد تصبح منتجاتها مستقبلاً خياراً جذاباً للدول التي تقيّد القيود التصديرية وصولها إلى رقائق "إنفيديا"، ما يشكّل تحدياً إضافياً لهيمنة التكنولوجيا الأميركية.
ولعل أبرز إنجازات هواوي منذ فرض العقوبات تمثّل في إقناع المستثمرين وصنّاع السياسات والمهندسين بأن تحقيق الاستقلال في أشباه الموصلات ممكن.
وعلى هامش مؤتمر شنغهاي، استحضرت هي السنوات التي أعقبت القيود، مشيرة إلى أنها كثيراً ما تزور نظام "دوجيانغيان" للري في سيتشوان، الذي بُني قبل ألفي عام ونجح مهندسوه في شق الجبال وتغيير مسارات الأنهار باستخدام أدوات محدودة.
وقالت: "يذكّرني دوجيانغيان بكيفية عمل المهندس في ظروف صعبة".
المصدر: سكاي نيوز






