كتب العميد الركن م/ د جوزف س. عبيد:
عندما تلتقي القلوب والعقول على لبنان اولا ، عندها فقط يولد العيش المشترك الحقيقي…
عندها يصبح الوطن شراكة لا هدنة، وانتماءً لا صفقة، وتصبح الدولة سقف الجميع لا ساحة صراع بين المشاريع والمحاور.
وعندها يبتعد شبح التقسيم والفيدرالية، لأن الناس تشعر أنّها متساوية في الوطن، مطمئنة إلى مستقبلها، وواثقة أنّ أحدًا لا يريد إلغاءها أو السيطرة عليها أو أخذها رهينة لمصالح الخارج.
أما قبل ذلك، فلا بد أولًا من تبريد الرؤوس الحامية، وخفض منسوب التوتر الكلامي، والتوقف عن توزيع تهم العمالة والخيانة جزافًا، لأن الشريك في الوطن ليس عدوًا.
فهذا الشريك لم يبدأ الحرب، ولم يأخذ لبنان إليها، ولم يقرر عن كل اللبنانيين مصيرهم ومستقبل أولادهم. وحتى اليوم، لم يثبت بحق هذا المكوّن أو ذاك وجود حالة عمالة منظّمة أو تواصل ممنهج مع العدو، وإن وُجدت حالات فردية فهي تبقى محدودة وضئيلة، وربما أقل بكثير مما هو موجود في بيئات أخرى تدّعي الوطنية ليل نهار.
فاللبناني الذي يرفض الحرب ليس خائنًا، والذي يطالب بحصر القرار بيد الدولة ليس عميلًا، والذي يخاف على الكيان ليس متآمرًا.
التخوين ليس مشروع دولة، والشتائم لا تبني وطنًا، ورفع الصوت لا يلغي حق الآخرين بالخوف على بلدهم وعلى لقمة عيشهم ومستقبلهم.
العيش المشترك ليس شعارًا يُقال في المناسبات، بل التزام فعلي بأن يكون لبنان أولًا… فوق المصالح، وفوق الطوائف، وفوق الولاءات الخارجية. وهو لا يقوم على غلبة فريق على آخر، ولا على فرض خيارات مصيرية بالقوة أو التخوين، بل على احترام الشراكة الحقيقية بين جميع اللبنانيين.
أما حين يبقى البعض مصرًّا على ربط لبنان بحروب الآخرين، وعلى فرض خيارات لا تشبه وجع اللبنانيين ولا أحلامهم، وعندما يُتَّهَم كل من يطالب بدولة حقيقية بالخيانة أو الانعزال، فأنتم بذلك تدفعون البلد بأنفسكم نحو القرار الصعب… لا من يصرخ خوفًا على لبنان.
وعندما ندرك أن الاختلاف السياسي لا يعني العداء، وأن الشراكة الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل لا على الترهيب والتخوين، عندها فقط يمكن الحديث عن عيش مشترك حقيقي، لا عن هدنة مؤقتة تنتظر انفجارًا جديدًا.






