جوانا فرحات
المركزية - لم تعد الخلافات داخل النظام الإيراني مجرد تباينات في وجهات النظر حول إدارة الملفات الداخلية، بل باتت تعكس تنافساً حقيقياً بين رؤيتين لمستقبل الجمهورية الإسلامية بعد سلسلة من التحولات الإقليمية والضغوط الاقتصادية والعسكرية غير المسبوقة.
فالحرب الأخيرة، والعقوبات المتراكمة، والضربات التي طالت بنية النفوذ الإيراني في الإقليم، أعادت فتح النقاش داخل دوائر السلطة بشأن كيفية الحفاظ على النظام، وما إذا كان ذلك يمر عبر التصعيد والمواجهة أم عبر إعادة ترتيب الأولويات والانفتاح على تسوية مع الغرب.
في هذا السياق، تبرز قراءة تتحدث عن وجود جناحين رئيسيين داخل منظومة الحكم: الفريق الأول ويضم الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي ، وهو يدفع باتجاه تخفيف التوتر الخارجي، باعتبار أن استمرار العقوبات والضغوط الاقتصادية أصبح يشكل خطراً على الاستقرار الداخلي وعلى قدرة الدولة على إدارة أزماتها.
أما الثاني فيقوده الحرس الثوري والتيار المحافظ المتشدد، ويُعتقد أن له امتدادات داخل الدائرة المحيطة بمجتبى خامنئي، ويرى أن أي تنازل كبير أمام الولايات المتحدة سيُفسَّر بوصفه هزيمة استراتيجية قد تهدد بنية النظام. ويطالب هذا الفريق أن يصار قبل المفاوضات إلى رفع الحصار البحري و العقوبات عن إيران ووقف العمليات العسكرية والحصول على ضمانات بعدم تكرار العمليات العسكرية الاميركية وعدم تدخل الولايات المتحدة في مضيق هرمز لان ايران هي من يتولى السيطرة والاشراف وادارة المضيق.
غير أن هذا الانقسام لا يعني وجود مركزين متوازيين للسلطة، فالنظام الإيراني يبقى شديد المركزية، وتظل القرارات الاستراتيجية الكبرى، ولا سيما المتعلقة بالسياسة الخارجية والبرنامج النووي والعلاقة مع الولايات المتحدة، خاضعة في نهاية المطاف لسلطة وريث المرشد الأعلى ومؤسسات الأمن القومي. لذلك، فإن الحديث عن "صراع" ينبغي فهمه باعتباره تنافساً بين مقاربات داخل الإطار نفسه، أكثر منه انقساماً قد يؤدي إلى تغيير جذري في بنية النظام، أقله حتى يتحرك الشعب ويُحدث التغيير المرتقب.
الكاتب والمتخصص في شؤون السياسة الشرق -أوروبية خالد زين الدين يوضح لـ"المركزية" أن هناك هوة كبيرة بين الإصلاحيين والحرس الثوري الذي يمثل الدولة العميقة ويقارب سياسته على قاعدة أن إيران نجحت خلال العقود الماضية بفرض نفسها لاعباً إقليمياً عبر سياسة الردع وبناء شبكة من الحلفاء، وأن التراجع أمام الضغوط الأميركية سيؤدي إلى فقدان عناصر القوة التي راكمتها. لذلك يميل هذا التيار إلى اعتماد سياسة "التفاوض من موقع القوة"، أي المحافظة على القدرات العسكرية والنووية ، وعدم تقديم تنازلات إلا مقابل مكاسب استراتيجية واضحة، مع الإبقاء على خيار التصعيد قائماً إذا اقتضت الضرورة.
في المقابل، ينطلق التيار البراغماتي من واقع اقتصادي بالغ الصعوبة. فالتضخم المرتفع، وتراجع قيمة العملة، و تآكل القدرة الشرائية، وتراجع الاستثمارات...كلها عوامل تجعل استمرار سياسة المواجهة المفتوحة مكلفاً للغاية. من هنا يرى أن تحسين العلاقات مع الغرب، أو على الأقل التوصل إلى تفاهمات جزئية مع واشنطن، يمكن أن يخفف من الضغوط الاقتصادية ويمنح الحكومة هامشاً لمعالجة الأزمات الداخلية.
هذا التباين ينعكس مباشرة على مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة. فمن غير المتوقع أن تتجه إيران إلى اتفاق شامل وسريع، لأن التيار المحافظ يخشى أن يؤدي ذلك إلى تقليص نفوذ الحرس الثوري وإعادة رسم توازنات السلطة داخل البلاد. وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن التيار البراغماتي يمتلك القدرة على فرض تنازلات واسعة، نظراً إلى أن الملفات السيادية لا تقع ضمن صلاحيات الحكومة وحدها.
إزاء هذا الصراع والإنقسام العمودي داخل إيران يُطرح السؤال، لمن ستكون الغلبة؟ يؤكد زين الدين أن "الحرس الثوري الإيراني سيخسر في النهاية نتيجة التغييرات التي تحصل في المنطقة وبالتالي لن يسمح بقوة عسكرية أن تتمدد وتنشر أذرعها في المنطقة. فالانتصار سيكتب للسياسة والدبلوماسية".
آخر استطلاع نشرته وسائل الإعلام يُظهر أن 58 في المئة من الإيرانيين يعارضون استمرار الدعم للقوى الوكيلة أو ما يعرف بـ"المقاومة الإسلامية"،بما يعكس تغيراً في أولويات جزء مهم من الرأي العام بعد الحرب الأخيرة. فهل يكون التغيير المرتقب على يد الشعب بعد جولات وصولات من التحركات ومواجهته من قبل الحرس الثوري بالقمع والقتل والتعذيب؟
هناك قسم كبير من الشعب الإيراني الذي يريد التغيير لكنه غارق في الأزمات الاقتصادية والعقوبات ويعاني نتائج تصنيف إيران كدولة غير آمنة ومصدّرة للسلاح والمخدرات. ويكشف زين الدين أن الأكراد الذين راهن عليهم الشعب الإيراني لم يخذلوه، على العكس فإن السيناريو المعد من قبل إسرائيل كان لتدريب وتجهيز المجموعات الكردية في المنطقة وصولا إلى إيران، إلا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تدخل لدى ترامب وطلب منه وقف التحضيرات العسكرية التي تولاها بنيامين نتنياهو مع الأكراد في اماكن تواجدهم في المنطقة لأنها تنعكس سلبا على الأمن التركي والإقليمي وهناك خشية من اشتعال فتيل الفتنة والتهديد بالحرب على غرار ما حصل في العراق. فكان قرار ترامب في كبح نتنياهو وتراجع الأكراد عن مساندة الشعب الإيراني.
ويختم زين الدين لا أحد ينكر أن ترامب يريد إضعاف إيران لكنه يرفض الفوضى لأن اتفاقيات السلام ترفض منطق الحرب. المطلوب أن يقرر الشعب الإيراني بنفسه ماذا يريد وأن يتحرك لتغيير بنية النظام وهذا الأمر سيتحقق لكنه يحتاج إلى الوقت. ومن المرجح أن تستمر طهران في انتهاج سياسة تجمع بين الانفتاح الحذر على التفاوض والتمسك بعناصر الردع، بما يجعل العلاقة مع واشنطن محكومة بمنطق "التفاوض تحت سقف الصراع"، لا بمنطق السلام الكامل ولا الحرب الشاملة.






