تحولت سوريا بعد سقوط نظام الأسد من ممر آمن عمليا وسياسيا لنقل السلاح إلى حزب الله، إلى ساحة تتعرض فيها شحنات الأسلحة للمطاردة وتواجه شبكات التهريب الملاحقات الأمنية.
وأزاح رحيل الأسد في ديسمبر 2024 الغطاء عن حركة تهريب السلاح طوال سنوات، لكن السلطة الجديدة لم تهدم بعد البنية التي تشكلت من مخازن، وطرق تهريب، وناقلين يعرفون المسالك الحدودية.
ومنذ مطلع عام 2025، تتوالى بيانات السلطات السورية عن إحباط شحنات كانت في طريقها إلى حزب الله، في عمليات امتدت من المناطق المحاذية للبنان وصولا إلى الحدود العراقية.
وتبرز مع عمليات الضبط تساؤلات تتجاوز وجهة الشحنات إلى مصدرها: من أين يأتي السلاح الذي يعثر عليه داخل سوريا؟
وأعلنت السلطات في يناير 2025 ضبط شحنتين في طرطوس وسرغايا، لكن ضبط السلاح داخل الأراضي السورية لا يعني بالضرورة أنه وصل حديثا من الخارج، إذ يظل هناك احتمال أن يكون بعضه جُمع من مخزونات موجودة أصل داخل البلاد، قبل محاولة نقله باتجاه لبنان.
وبمرور الأشهر، كشفت عمليات الضبط أن نقل السلاح لا يبدأ بالضرورة عند خط الحدود. ففي ديسمبر 2025، أعلنت السلطات إحباط عملية في منطقة يبرود قالت إنها كانت تستهدف نقل أسلحة إلى حزب الله، وضبطت نحو 1,250 لغما حربيا مع صواعقها.
وبعد نحو أسبوعين، أعلنت إحباط محاولة أخرى لنقل ذخائر وقذائف من سرغايا إلى لبنان.
وفي يناير 2026، ظهرت حلقة أخرى عندما أوقفت السلطات سيارة انطلقت من جريجير باتجاه محور النبك والقصير محملة بصواريخ وذخائر. وقادت العملية، وفق السلطات، إلى موقع لتخزين الأسلحة في جريجير.
ويكشف وجود مستودع في نقطة، ثم ناقل يتحرك عبر مناطق أخرى قبل بلوغ الحدود، سلسلة لوجستية تتجاوز نموذج المهرب الذي يحمل السلاح ويبحث عن معبر غير شرعي.
ويقول الخبير الأمني السوري عصمت العبسي إن تكرار عمليات الضبط في أماكن واتجاهات مختلفة خلال أشهر قليلة يشير إلى وجود شبكات منظمة ومرنة، وليس محاولات متفرقة للتهريب، معتبرا أن سرعة تعديل طرق الحركة تكشف بناء تنظيميا قادرا على التكيف مع الضغوط الأمنية”.
ويقع الساحل السوري في قلب هذه الخريطة، بعدما أكد ضبط شحنات في طرطوس استخدام الساحل كنقطة عبور أو للتخزين المؤقت.
وأتاحت الفترة الأولى بعد سقوط نظام الأسد الفرصة لشبكات التهريب الاستفادة من الفراغ الأمني، قبل أن تبدأ الحكومة الجديدة بتوسيع سيطرتها على الحدود والمنافذ.
لكن العبسي يشير إلى فارق أساسي بين المرحلتين، فالتهريب كان يعتمد سابقا بدرجة أكبر على “الرشاوى المؤسسية المنظمة”، بينما أدى تغير بنية السلطة والأجهزة إلى تعطيل هذه الآلية، وفرض البحث عن وسائل أخرى.
وفي يوليو 2026، ظهر اتجاه آخر: سلاح يدخل إلى سوريا من الشرق، بعدما أعلنت السلطات اعتراض ناقلة نفط محملة بالأسلحة قادمة من العراق.
دخلت الناقلة من العراق عبر معبر التنف في اتجاهها نحو مدينة بانياس، ما يعني أن مصادر الشحنات لم تعد تقتصر على إيران مباشرة، بل قد تشمل تنسيقاً مع عناصر أو شبكات عراقية.
وتثبت هذه العملية محاولة استخدام سوريا مجدداً كحلقة عبور من الشرق إلى الغرب. أما اختيار ناقلة نفط لإخفاء السلاح، فيكشف تغيراً في طريقة التهريب نفسها.
ويرى العبسي أن إحكام الرقابة على المنافذ دفع الشبكات إلى الانتقال إلى استخدام غطاء تجاري شرعي لتستفيد من حركة الشاحنات وناقلات النفط التي يصعب إخضاعها جميعاً لتفتيش شامل، من دون التأثير على تدفق البضائع.
وبذلك، بات التهريب أكثر اعتماداً على إخفاء الأسلحة ضمن بضائع مدنية ضخمة، بدلاً من نقلها مباشرة عبر نقاط تفتيش ضعيفة الحراسة.
ويضع ذلك السلطات أمام تحدٍّ مختلف، فبدلاً من رصد التحركات المشبوهة على الطرق النائية، بات عليها اكتشاف الشحنات غير الشرعية، داخل حركة تجارية تبدو طبيعية.
وتحتاج هذه العمليات، بحسب العبسي، إلى تخطيط دقيق وتنسيق بين عدة أطراف، من سائقين وعملاء جمركيين محتملين ومنظمين.
ويتجاوز الأمر طرق نقل المضبوطات إلى نوعيتها، إذ احتوت الشحنات المعلن عنها على ألغام ومسيّرات وذخائر وصواريخ مضادة للدروع وأخرى بعيدة المدى، أي أن محاولات التهريب لم تعد تقتصر على ذخائر خفيفة.
ويقول مصدر أمني لبناني لموقع “الحرة” إن المسيّرات والأسلحة المضادة للدروع تقع ضمن القدرات التي يوليها حزب الله أهمية في المرحلة الحالية، بعد حربه مع إسرائيل والخسائر التي لحقت بقدراته العسكرية.
ويوضح أن تهريب الأسلحة عبر سوريا تراجع بشكل كبير مقارنة بالسابق، لكنه لا يستبعد وصول كميات محدودة عبر طرق غير شرعية.
أما العبسي فيرى أن دمشق تستطيع قطع الخطوط الرئيسية من خلال تشديد الرقابة على المنافذ والتعاون الأمني مع دول الجوار، من دون أن يعني ذلك القدرة على إغلاق جميع المسارات، بسبب الحدود الطويلة وصعوبة مراقبة المناطق النائية وإمكان استغلال الحركة التجارية، أو حتى تواطؤ أفراد عند نقاط العبور.
ولذلك، لا يشكل عدد الشحنات المضبوطة مقياساً دقيقاً لحجم التهريب. وإنما تعكس عمليات الضبط استمرار المحاولات، وتحسن قدرة الأجهزة السورية على اكتشافها.
على الجانب اللبناني، تأتي محاولات حزب الله، المدرج على قوائم الإرهاب بدول عدة، لتهريب السلاح في لحظة تتحرك فيها الدولة بشكل حازم، بعدما اتخذت قراراً بحصر السلاح بيد الدولة، وشددت الإجراءات على الحدود وفي المطار والمرافئ.
وتقول النائبة نجاة عون في تصريحات لـ”تا إن الأسلحة التي يجري تهريبها تمر من معابر غير شرعية، لافتة إلى طول الحدود الشرقية للبنان وكثرة النقاط التي يمكن استخدامها.
وتلفت كذلك إلى “مساعٍ قوية” بين الحكومتين اللبنانية والسورية لضبط الحدود، معتبرة أن الإجراءات الأمنية ضيقت المنافذ التي يمكن استخدامها لإدخال السلاح.
وفي مقابل إعلانات دمشق المتكررة عن اعتراض شحنات، لا تعلن السلطات اللبنانية حتى الآن ضبط شحنة أسلحة قالت رسمياً إنها كانت متجهة إلى حزب الله، بعد عبورها من سوريا.
ويقرأ المصدر الأمني اللبناني هذا التباين من زاوية أخرى، فالتوجه اللبناني حتى الآن يقوم على تجنب مواجهة مباشرة مع حزب الله، مع التشدد في المناطق الخاضعة للرقابة، أي في جنوب البلاد”.
وبين المسارين السوري واللبناني، تبقى قدرة حزب الله على تعويض خسائره أو إعادة بناء جزء من ترسانته مرتبطة إلى حد كبير بما إذا كانت شبكات الإمداد قادرة على التكيف مع البيئة الجديدة.
ويصف العبسي الوضع الحالي بأنه ليس نهاية لتهريب السلاح، بل مرحلة انتقالية تحاول فيها الشبكات الإيرانية المرتبطة بحزب الله تعديل خطوط إمدادها بسرعة لتجاوز الإجراءات السورية الجديدة.






