8:03 AMClock
صحف
  • Plus
  • Minus

سوريا الجديدة في طرابلس: الموقوفون الإسلاميون وتكامل اقتصادي

في خطوة حملت أبعاداً تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، شهدت مدينة طرابلس، اليوم، زيارة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، اتسمت بطابع استثنائي عكس تحولاً في المقاربة السورية تجاه المدينة التي لطالما كانت في صلب التجاذبات الإقليمية، زيارةٌ حملت رسائل سياسية واقتصادية توحي بأن العلاقة بين الجانبين تدخل مرحلة مختلفة، عنوانها الانفتاح، والتكامل، وإعادة بناء الثقة.

استقبال حاشد… ورسائل تتجاوز المشهد الشعبي

لأكثر من ساعتين، احتشد مئات المواطنين على امتداد الطريق" دوار السلام" ملوحين بالأعلام السورية ومطلقين الهتافات المرحبة بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الذي حرص على تحية المتجمعين.

هذا الاستقبال الشعبي عكس رمزية المدينة في الوجدان السوري الجديد، في أول زيارة لمسؤول سوري بهذا المستوى إلى طرابلس منذ التحولات الأخيرة التي شهدتها دمشق.

شارك في اللقاء مفتي طرابلس والشمال، إلى جانب نائب رئيس الحكومة الدكتور طارق متري، والنواب أشرف ريفي، طه ناجي، عبد العزيز الصمد، جهاد الصمد، فيصل كرامي، وليد البعريني، أحمد الخير، إضافة إلى نقباء وفعاليات اقتصادية واجتماعية وشخصيات من مختلف القطاعات.

الملفات الاقتصادية تصدّرت الاجتماع

وفق مصادر "المدن"، لم يقتصر اللقاء على تبادل المواقف السياسية، بل ركز بصورة أساسية على مستقبل العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا، انطلاقاً من موقع طرابلس بوصفها البوابة الطبيعية لهذا التعاون.

وتفيد المصادر بأن الوزير الشيباني شدد على أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من العلاقات التقليدية إلى شراكة اقتصادية حقيقية، يكون للشمال اللبناني فيها دور محوري، من خلال إعادة تفعيل المشاريع المشتركة التي توقفت خلال السنوات الماضية.

وتناول البحث إعادة تفعيل مصفاة طرابلس، وإحياء مشروع سكة الحديد التي تربط المدينة بالأراضي السورية، باعتبارها شرياناً استراتيجياً لإعادة وصل لبنان بعمقه العربي، إلى جانب توسيع وتطوير المعابر البرية بين البلدين وتفعيل الحركة عبر المعابر البحرية، بما يعزز حركة التجارة والنقل.

كما حضر مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات على طاولة النقاش، إذ اعتبر المجتمعون أنه يشكل ركيزة أساسية في أي مشروع تكامل اقتصادي ولوجستي بين البلدين، لما يمكن أن يؤديه من دور في دعم الحركة التجارية والاستثمارية في الشمال اللبناني.

وتؤكد المصادر أيضاً، أن الشيباني أكّد خلال الاجتماع أن القيادة السورية الجديدة "لن تنسى ما قدمته طرابلس للثورة السورية، ولا الدعم الذي وفره أبناؤها للسوريين خلال سنوات الحرب".

ملف الموقوفين كان حاضراً..

لم تغب الملفات الحساسة عن النقاش.وتحديداً ملف الموقوفين الإسلاميين، سيّما وأنّ معظم هؤلاء يقبعون في السجون بسبب مواقفهم الداعمة للثورة السورية خلال السنوات الماضية.

وتفيد المصادر أن الجانب السوري ألمح إلى استمرار التواصل مع الدولة اللبنانية لمتابعة هذا الملف، في إطار مقاربة قائمة على الحوار والتنسيق بين المؤسسات الرسمية في البلدين.

الزيارة تؤسس لمرحلة جديدة

وأكد النائب طه ناجي لـِ "المدن" أن طرابلس “سعيدة جداً بهذه الزيارة”، معتبراً أنها تعيد صلة الوصل الطبيعية بين المدينة وسوريا بعد سنوات طويلة من الانقطاع. وكشف أن أبرز ما حملته الزيارة هو الاتفاق على العمل لتشكيل لجنة سورية – لبنانية عليا، بما يؤسس لإطار مؤسساتي دائم يعزز التكامل بين البلدين ويعالج الملفات المشتركة بصورة أكثر فاعلية.

من جهته، قال النائب وليد البعريني لـِ "المدن" إن الأهمية الحقيقية للزيارة تكمن في بعدها الاقتصادي، معتبراً أن طرابلس وعكار تقفان أمام فرصة تاريخية للاستفادة من أي انفتاح اقتصادي بين لبنان وسوريا، سواء من خلال تنشيط حركة التجارة أو إعادة إحياء المشاريع الإنمائية التي طال انتظارها، معرباً عن تفاؤله بأن تترجم هذه اللقاءات إلى خطوات عملية في المستقبل القريب.

أما النائب أحمد الخير، فقال لـِ "المدن" إن المرحلة الجديدة يجب أن تقوم على احترام سيادة الدولتين واستقلال قرارهما، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، مشيراً إلى أن العلاقة بين لبنان وسوريا يحكمها التاريخ والجغرافيا، ما يجعل التعاون بينهما خياراً طبيعياً لا يمكن تجاهله.

وأضاف الخير أن البحث تناول ضرورة تكريس التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين، انطلاقاً من كون سوريا تشكل البوابة الطبيعية للبنان نحو العالم العربي، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد اللبناني عموماً والشمال خصوصاً.

وأشار إلى أن الجانب السوري أكد استعداده للقيام بأي دور من شأنه المساهمة في معالجة الأزمة اللبنانية، من خلال التعاون مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، بعيداً عن أي مقاربة تقوم على التعامل مع فريق سياسي أو طائفة بعينها، معتبراً أن المطلوب اليوم هو أن تبادل الدولة اللبنانية هذا التوجه بالإيجابية نفسها، بما يفتح الباب أمام علاقة متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

لماذا طرابلس؟

لم يكن اختيار طرابلس محطة أولى لمسؤول سوري بهذا المستوى تفصيلاً بروتوكولياً، بل حمل دلالات سياسية واضحة. فالمدينة التي كانت طوال سنوات الحرب إحدى أبرز الحواضن الشعبية للثورة السورية، تحولت اليوم إلى نقطة انطلاق في مقاربة سورية جديدة تقوم على مخاطبة الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها، والانفتاح على الشمال باعتباره شريكاً في مرحلة إعادة بناء العلاقات بين البلدين.

كما أن الموقع الجغرافي لطرابلس، وما تمتلكه من مرفأ ومصفاة ومطار قريب وشبكة ارتباط طبيعية مع الداخل السوري، يجعلها في صلب أي رؤية اقتصادية مستقبلية، وهو ما يفسر الحضور الكثيف للملفات الإنمائية في صلب النقاشات.

مرحلة جديدة تلوح في الأفق؟

انتهت الزيارة بعد نحو ساعة، إلا أن مضمونها تجاوز بكثير مدتها الزمنية. فالمشهد الشعبي، والرسائل السياسية، والطروحات الاقتصادية، وما رافقها من حديث عن لجنة سورية – لبنانية عليا، عكس توجهاً نحو إعادة صياغة العلاقة بين دمشق والشمال اللبناني على أسس مختلفة عن تلك التي كانت إبّان حكم النظام البائد.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o