4:27 PMClock
متفرقات
  • Plus
  • Minus

"سمفونية التطويب" في الصرح البطريركي في الديمان مع الأوركسترا الفلهارمونية

احتضن الصرح البطريركي الصيفي في الديمان،​ برعاية البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وحضوره، ولمناسبة تطويب البطريرك الياس الحويك، الأمسية الموسيقية الكبرى "العهد الأبدي"، التي دعت إليها رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس بالتعاون مع جمعية راهبات العائلة المقدسة –عبرين.

وبحسب بيان للمعهد الوطني العالي للموسيقى، فإن الاحتفال "أحيته الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو هاروت فازليان، في برنامج موسيقي أشبه بصلاة روحية وحوار سماوي تتناغم فيه عبقرية الجغرافيا مع قدسية التاريخ ورقيّ الأوركسترا.

و​على كتف وادي قاديشا العريق، حيث تتناغم هيبة الطبيعة الخلابة مع عظمة التاريخ، يمتد وادي القدّيسين كحارس للذاكرة الروحية والمارونية. هنا، على هذه الأرض التي تشربت صلوات النساك والرهبان ونحتت صخورها إيماناً لا يُقهر، يقف الإنسان أمام جغرافيا تختصر مسيرة الأجيال. ففي الأسفل يمتد الوادي الحارس للذاكرة، وفي الأعلى يرتفع الصرح البطريركي الصيفي في الديمان ليشكل منارة روحية ووطنية.

​ففي رحاب هذا المقر البطريركي، استحدثت منصة الاحتفال الاستثنائية التي صُممت خصيصاً لتتوسط الباحة الخارجية، حيث نُفذ هذا التصميم الفريد قبيل يوم واحد من الحفل في مناسبة التطويب، ليشهد المكان ذاته انطلاق الأمسية الكبرى. وقد احتضنت الباحة هذا الصرح الفني الخشبي المهيب المزين بالصلبان والرموز الروحية والدلالات التاريخية، لتلتقي تحت سقفه الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو هاروت فازليان وحضور الشخصيات الروحية والرسمية تقدمهم البطريرك الراعي ورئيس مجمع القديسين في الفاتيكان نيافة الكاردينال مارشيلو سيميرارو، ورئيسة جمعية راهبات العائلة المقدسة عبرين الاخت ماري أنطوانيت سعادة، إلى جانب حشد غفير من المطارنة والراهبات والرهبان والحضور الشعبي.

القواس

​في كلمتها أكدت رئيسة المعهد العالي للموسيقى، الدكتورة هبة القواس، أن الموسيقى هي "سرٌّ من أسرار الخلق، وقبل أن تكون نغمةً هي اهتزاز، وقبل أن تصبح لحناً هي علاقة بين حركة وصمت. ​ومن هذه الإضاءة العميقة، انطلق عنوان الأمسية «العهد الأبدي» ليجسد ذلك الارتباط الأزلي الذي يصبح فيه الحب التزاماً، والالتزام تفانياً، والتفاني وجوداً كاملاً في ما نحب، عهد الإنسان بإيمانه، وعهد الراعي برسالته، وعهد لبنان بطلعته النورانية التي ترفض الانكسار أمام الأزمات. وأشارت القواس إلى أن لقاء بكركي والكونسرفتوار هو تجسيد حي لتلاقي الذاكرة الروحية والوطنية للصوت الموسيقي، بغية منح لبنان حضوراً حضارياً متجدداً في الوجدان الإنساني العالمي عبر لغة الفنون الكبرى".
وقالت: "ثَمَّةَ لَحَظاتٌ لا يَدْخُلُ فيها الإنسانُ التاريخَ، بَلْ يَدْخُلُ التاريخُ فيها إلى الإنسانِ. ونحنُ الليلةَ، هنا في الدِّيمانِ، نَقِفُ أمامَ حُضورِ رَجُلٍ عَبَرَ الزَّمَنَ ولم يُغادِرْهُ. البَطْرِيَرْكُ الياس الحُوَيِّك. اسمٌ مِنْ تاريخِ الكنيسةِ، وهو أيضاً اسمٌ مِنْ تاريخِ لبنانَ. رجلٌ أدرَكَ، في زمنٍ كانت فيه الجغرافيا تُعادُ كتابتُها والكياناتُ تبحثُ عن مصائرِها، أنَّ لبنانَ أبعدُ مِنْ مساحةٍ تُرسَمُ حدودُها، لكونِهِ معنًى يجبُ أن يُصانَ.ولهذا يحمِلُ تطويبُهُ معنًى يتجاوزُ استعادةَ شخصيّةٍ تاريخيّةٍ كبيرةٍ. إنَّهُ يعيدُ إلى الحاضرِ تجربةً كان فيها الإيمانُ قوّةً في صناعةِ التاريخِ، وكانت فيها المسؤوليّةُ الروحيّةُ متّصلةً بمصيرِ وطنٍ".

أضافت: "صاحب الغبطة، برعايتِكم وحضورِكم الليلةَ، يلتقي الكونسرفتوارُ والصرحُ البطريركيُّ مرّةً جديدةً، وليسَ هذا اللقاءُ جديداً علينا. لقد التقينا في السنواتِ الأخيرةِ على إيمانٍ عميقٍ بأنَّ الروحَ والثقافةَ ليستا عالَمَيْنِ منفصلَيْنِ، وأنَّ الموسيقى إحدى تجلّياتِ الروحِ.  لهذا كانتِ الموسيقى دائماً قريبةً مِنَ المقدَّسِ. لا لأنَّها تشرحُ اللهَ — فاللهُ لا يُشرَحُ — ولا لأنَّها تصفُ الغيبَ — فالغيبُ لا يُختصَرُ _بل لأنَّها تجعلُ الإنسانَ، للحظاتٍ، أكثرَ استعداداً للإصغاءِ إلى السرِّ الأزليِّ العميقِ. ومن هنا جاءَ عنوانُ أمسيتِنا:«العهد الأبدي» عنوانٌ للمعنى الذي أردناهُ أن يُظلِّلَ الأمسيةَ كلَّها. إنَّهُ ذلكَ الارتباطُ الذي يصبحُ فيه الحبُّ التزاماً، والالتزامُ تفانياً، والتفاني وجوداً كاملاً في ما نحبُّ".

وتابعت: "أيُّها الاحبة تحتَنا مباشرةً يمتدُّ وادي قاديشا، وادي القدّيسينَ؛ ذلكَ المكانُ الذي صارَ عبرَ القرونِ واحداً مِنْ أعمقِ خزائنِ الذاكرةِ الروحيّةِ المارونيّةِ. هناكَ، في الصخرِ، وفي الكهوفِ والأديرةِ والمحابسِ المعلَّقةِ بينَ الأرضِ والسماءِ، كتبَ الموارنةُ فصولاً مِنْ تاريخِهم قبلَ أن تُكتَبَ في الكتبِ.ولم تكنِ الجغرافيا سهلةً عليهم، فجعلوا مِنْ قسوتِها حصناً، ومِنَ العزلةِ خلوةً، ومِنَ الوادي فضاءً تتكوَّنُ فيه علاقةٌ مختلفةٌ بينَ الإنسانِ واللهِ. ومِنْ تلكَ المغاورِ والمحابسِ، ومِنْ حياةِ الرهبانِ والنُّسّاكِ والجماعاتِ التي احتمتْ بهذه الجبالِ وحفظتْ فيها إيمانَها وتراثَها ووجودَها، تكوَّنتْ طبقاتٌ مِنَ الذاكرةِ لا تزالُ حاضرةً في هُويّةِ هذا الجبلِ حتى اليومِ. ولهذا فإنَّ الوقوفَ في الدِّيمانِ يحملُ معنًى استثنائيّاً. كأنَّ الجغرافيا هنا تختصرُ مسيرةً طويلةً: في الأسفلِ، وادٍ حفظَ الإيمانَ في الصخرِ؛ وفي الأعلى، صرحٌ بطريركيٌّ حملَ هذا الإيمانَ إلى رحابةِ الوطنِ والعالمِ. والليلةَ يدخلُ إلى هذا المدى صوتٌ آخرُ. صوتُ الأوركسترا الفلهارمونيّةِ الوطنيّةِ اللبنانيّةِ. تأتي الأوركسترا إلى الدِّيمانِ لتضعَ موسيقاها في خدمةِ هذه اللحظةِ التاريخيّةِ والروحيّةِ، ولتضيفَ إلى ذاكرتِها صوتاً سيولدُ هنا، في هذا المكانِ، ثمَّ يصبحُ جزءاً مِنْ زمنِهِ. فالأوركسترا الفلهارمونيّةُ الوطنيّةُ اللبنانيّةُ جسدٌ موسيقيٌّ وطنيٌّ يحملُ اسمَ لبنانَ. وحينَ تعزفُ هنا، بعدَ إعلانِ تطويبِ البطريركِ الياس الحويّك، تدخلُ المؤسّسةُ الوطنيّةُ للموسيقى في ذاكرةِ حدثٍ سيبقى مِنْ محطّاتِ لبنانَ الروحيّةِ والتاريخيّةِ. ويشرّفُني أن تقفَ أوركستراُنا الليلةَ بقيادةِ المايسترو هاروت فازليان، الذي عرفَ هذه الأوركسترا وعرفتْهُ، وشاركَ في مسيرتِها الفنيّةِ، ليقودَها في أمسيةٍ يتجاوزُ فيها الأداءُ جمالَهُ إلى وعيِ المكانِ ومعنى اللحظةِ. وأقولُ لزملائي موسيقيّي الأوركسترا: هذه الليلةَ أنتم داخلَ المناسبةِ. اعزفوا وأنتم تعرفونَ أنَّ تحتَكم واديَ القدّيسينَ، وأنَّ أمامَكم بطريركَ أنطاكيةَ وسائرِ المشرقِ، وأنَّ في ذاكرةِ هذه الأمسيةِ طوباويّاً حملَ لبنانَ في قلبِهِ إلى العالمِ". وأضافت القواس: "صاحِبَ الغِبْطَةِ، حينَ التقتْ بكركي والكونسرفتوارُ، وجدتُ في هذا اللقاءِ معنًى يتجاوزُ التعاونَ بينَ مؤسّستَيْنِ. بكركي تحملُ ذاكرةَ لبنانَ الروحيّةَ والوطنيّةَ، والكونسرفتوارُ يحملُ صوتَهُ الموسيقيَّ. ومِنْ لقاءِ الذاكرةِ بالصوتِ، أرى إمكاناً كبيراً: أن نمنحَ البعدَ الروحيَّ والحضاريَّ للبنانَ حضوراً جديداً في العالمِ مِنْ خلالِ الموسيقى".

وختمت: "أن يحملَ لبنانُ قدّيسيهِ إلى العالمِ يعني أيضاً أن يحملَ إليهم الأرضَ والثقافةَ والروحَ التي خرجوا منها؛ وأن يجدَ لهذا الإرثِ لغةً معاصرةً تدخلُ بها رسالتُهُ إلى الوجدانِ الإنسانيِّ.  وهنا أرى للموسيقى دوراً يتجاوزُ الحفلَ: أن تمنحَ البعدَ الروحيَّ للبنانَ حضوراً في اللغةِ الإنسانيّةِ الكبرى للفنونِ.وكما حملَ البطريركُ الياس الحويّك لبنانَ إلى العالمِ في زمنِهِ، علينا نحنُ، كلٌّ مِنْ موقعِهِ، أن نحملَ لبنانَ إلى العالمِ في زمنِنا. وللطوباويُّ البطريركُ الياس الحويّك، أقولُ: طوبى لِمَنْ استطاعَ أن يجعلَ مِنْ حياتِهِ معنًى أطولَ مِنْ حياتِهِ. وطوبى لوطنٍ، كلّما ضاقتْ بهِ الأزمنةُ، وجدَ في ذاكرتِهِ مَنْ يذكّرُهُ بأنَّهُ خُلِقَ لأكثرَ مِنَ البقاء".

​البرنامج

افتتحت الأوركسترا البرنامج مع مقطوعة "لا فورزا دل دستينو" (La Forza del DestinO– Overture) لـ جوزيبي فيردي، لتلتقي بعدها بجذوة الحماس والبطولة في "تنويعات أجيجينا وباكناليا من سبارتاكوس" لـ آرام خاتشاتوريان. وانتقلت الروح بعدها إلى عذوبة العاطفة الإنسانية السامية عبر "أداجيو سبارتاكوس وفريجيا" لخاتشاتوريان، و"روميو وجولييت" لـ تشايكوفسكي، اللتين حولتا العشق الأرضي إلى قوة شاملة للتضحية المطلقة والشفافية الروحية.

​تحوّل القسم الثاني بقرار حاسم نحو التأمل والسكينة الروحية عبر ثلاث قطع مخصصة لإجلال تقديس البطريرك الحويك: "المجيء –أندانتي فيستيفو" لـ جان سيبيليوس، التي أثارت أبعاداً من السلام الداخلي والتأمل الإلهي. "الدعوة – نيمرود" لـ إدوارد إلغار، كتأمل عميق في الأمانة والتواضع والرسالة السامية. والخاتمة المجيدة مع "السمفونية الثانية (الحركة الرابعة)" لـ سيبيليوس، حيث انتصر النور على الظلمة، مجسداً تمجيد النفس وسموها الأبدي.

​على منصة الديمان، سطع اسم الأوركسترا الفلهارمونيّة الوطنيّة اللبنانيّة جسداً موسيقياً وطنياً يحمل اسم لبنان وألقه إلى أبعد مدى. وقد أبدع الموسيقيون في عزفهم، متسلحين بوعي كامل لمكانة الحدث وعمق المكان، تحت قيادة المايسترو الاستثنائي هاروت فازليان. أثبت فازليان مرة جديدة قدرته الفريدة على الغوص في روح النصوص الموسيقية وربطها بالنبض الوطني والروحي للمكان. فقاد الأوركسترا ببراعة فائقة، صاقلاً كل نغمة وهمسة لتتحول إلى صلاة حية، ومتجاوزاً الأداء التقني البحت إلى وعي شامل بجماليات اللحظة التاريخية، حتى بدا كأن العصا في يديه ترسم دروباً من النور على جبال لبنان الصامدة.

​​وفي ختام الأمسية التاريخية، تكلّل الحفل ببركة البطريرك الراعي بكلمة وجدانية. فقد وجّه غبطته تحية تقدير واعتزاز كبيرة للأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانيّة والمايسترو هاروت فازليان، خصّ فيها بالمحبة والشكر المعهد العالي للموسيقى ممثلاً برئيسته الدكتورة هبة القواس، على مبادرتهم الكبيرة والرائدة في تقديم هذا الحفل الراقي كشريك أساسي في الاحتفال بتطويب البطريرك التاريخي الياس الحويك. وأثنى الراعي على الرئيسة القواس مستعرضاً ما تقوم به على صعيد النهوض بالكونسرفتوار الوطني وقال: "القواس هي هبة من الله وما فعلته من عمل دؤوب طيلة فترة ترؤسها المعهد أحدث نقلة نوعية لا مثيل لها. ونحن نهنئها على تفانيها وإخلاصها من أجل النهوض بهذا الصرح الوطني." وقد لامست كلمات البطريرك الراعي قلوب الحاضرين حين تحدث عن سحر الموسيقى وعمق تأثيرها، وكيف أنها حملت الجمهور برمتّه إلى سماوات بعيدة، مصوراً هذا الإحساس البديع بقوله: "أمس في التطويب انتقلنا إلى السماء ثم عدنا إلى الأرض، والليلة أعادتنا الأوركسترا وقائدها إلى السماء مرة جديدة". هكذا تجسدت الكلمات كخاتمة روحية متكاملة، تلتحم فيها نشوة الفن بقدسية الإيمان، ويبقى صدى النغم معلقاً بين تراب الديمان و وعبق السماء.

​وهكذا استطاعت أمسية «العهد الأبدي» أن تترك بصمة لا تُحسَب بمرور الزمن، إنما ببقائها في الذاكرة الحية للوطن. أمسية التقى فيها صمت المغاور بنغم الأوركسترا، وشموخ التاريخ بخلود الموسيقى، ليؤكد لبنان مجدداً أنه، مهما ضاقت به الأزمنة، يظل قادراً على الإبداع، والخلق، والقداسة والشهادة للحياة".

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o