May 13, 2026 3:47 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

زيارة ترامب إلى الصين… شرارة دبلوماسية قد تعيد رسم خريطة الحرب والسلام

كتب السفير السابق انطونيو عنداري:

يختلف أي صراع مع إيران جذريًا عن ضربة عقابية قصيرة أو عملية عسكرية محدودة الأهداف. فقد بُنيت العقيدة الاستراتيجية الإيرانية على مدى عقود على مفاهيم الصمود، والحرب غير المتكافئة، والرد غير المباشر، بدلًا من السعي إلى التفوق في مواجهة عسكرية تقليدية. وتدرك طهران جيدًا أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة، لكنها تمتلك في المقابل أدوات ضغط قادرة على توسيع كلفة أي حرب عبر الإقليم وعلى مدى زمني طويل.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المرتقبة إلى الصين أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية بين واشنطن وبكين، لتلامس مباشرة مستقبل المواجهة مع إيران واحتمالات احتوائها أو انفجارها. فالصين ليست مجرد شريك اقتصادي لطهران، بل تمثل أيضًا رئة استراتيجية تساعد إيران على الصمود في وجه العقوبات الغربية والعزلة المالية.

وتدرك واشنطن أن أي حرب طويلة مع إيران لن تُحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بالاقتصاد والطاقة وسلاسل الإمداد والمواقف الدولية. ومن هنا، تبدو بكين لاعبًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا أن الصين تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وفي الوقت نفسه ترفض انهيار إيران أو سقوطها الكامل ضمن المعادلة الإقليمية.

لذلك يركّز العديد من المحللين ليس فقط على قدرة واشنطن على تحقيق نصر عسكري، بل على مدى قدرتها على ضبط تداعيات الحرب ومنع تحوّلها إلى أزمة دولية مفتوحة اقتصاديًا واستراتيجيًا.

وتبرز عدة مستويات تجعل هذا السيناريو شديد الخطورة:

* تبقى أسواق الطاقة شديدة الحساسية، إذ إن أي اضطراب—ولو  محدود—في مضيق هرمز يمكن أن ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وتأمين الشحن، والتضخم، واستقرار التجارة العالمية، وهو ما يضع الصين وأوروبا والاقتصاد العالمي في قلب الأزمة.

* قد تنخرط أطراف إقليمية تدريجيًا في الصراع عبر العراق ولبنان وسوريا والبحر الأحمر والخليج، ما يحوّل الحرب من مواجهة ثنائية إلى حالة استنزاف إقليمي واسع.

* لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بالسيطرة على الأرض، بل أيضًا بالإرهاق الاقتصادي، والاستقطاب السياسي، وحرب الروايات الإعلامية، وتراجع تماسك التحالفات الدولية.

* كما أن عامل الوقت قد يميل لمصلحة إيران، التي تراهن تاريخيًا على الصبر الاستراتيجي وانتظار التحولات داخل السياسة الأمريكية أو في مواقف القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا.

المعضلة الأعمق تكمن في أن الحروب، عندما تتحول إلى أنظمة من التصعيد المتبادل، يصبح التحكم بها نسبيًا لا مطلقًا. وحتى القوى العظمى قد تؤثر في مسار الأحداث دون أن تكون قادرة على توجيهها بالكامل.

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقًا عسكريًا واستخباراتيًا وماليًا هائلًا، فإن تجارب العراق وأفغانستان أثبتت أن إسقاط الأهداف العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاج استقرار سياسي أو إقليمي مستدام.

من هنا، قد تحمل زيارة ترامب إلى الصين بعدًا يتجاوز الاقتصاد والتجارة، لتصبح جزءًا من معركة أوسع حول منع الانفجار الكبير في الشرق الأوسط أو على الأقل محاولة إدارة تداعياته قبل أن تتحول الحرب مع إيران إلى أزمة عالمية مفتوحة.

أي تقارب أو تفاهم أو حتى توتر أميركي–صيني سينعكس على هامش حركة إيران الإقليمية. وبما أن نفوذ طهران في لبنان يتم عبر حلفائها، وعلى رأسهم حزب الله، فإن تغيّر المزاج الدولي أو تصاعد المواجهة مع الصين قد يدفع إيران إلى تشديد أو تخفيف حضورها في ساحات مثل لبنان، بحسب اتجاه التصعيد أو الاحتواء..

في المحصلة، لبنان لا يتأثر بزيارة ترامب إلى الصين كحدث منفصل، بل كجزء من إعادة تشكيل أوسع للتوازن بين القوى الكبرى. وأي تحوّل في هذا التوازن ينعكس عليه بشكل غير مباشر لكنه حساس، نظرًا لارتباطه العميق بالصراع الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة…

وفي النهاية، قد تكون واشنطن قادرة على هزيمة خصومها عسكريًا، لكنها ليست بالضرورة قادرة على التحكم الكامل في التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي قد تُطلقها حرب بهذا الحجم والتعقيد..

 

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o