10:55 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

زياد الرحباني... عبقريةٌ لم تكتفِ بصناعة الفن، بل شرّحت الوطن...

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد.

"المصاري يلي انسرقت من لبنان بتكفي لتعليم البقر البلاغة والرقص وعزف البيانو، ولكنها لا تكفي لتعليم الحمير معنى الوطن".

زياد الرحباني.

أيُّ عبقرية هذه التي تختصر في جملة واحدة مأساة وطن، وتجمع بين السخرية اللاذعة والوجع العميق، وبين بساطة التعبير وعمق المعنى؟

ذلك هو زياد الرحباني، ابن العائلة الرحبانية، الذي ورث من هذا البيت الكبير أذنًا موسيقية استثنائية، لكنه لم يكتفِ بأن يكون امتدادًا لإرثه، بل شقّ لنفسه طريقًا مختلفًا في الموسيقى والمسرح والكلمة والموقف.

في العائلة الرحبانية، تعلّمنا أن الموسيقى تستطيع أن ترفع الإنسان إلى مستوى الحلم، وأن الكلمة يمكن أن تحوّل قريةً إلى وطن، وأن صوت فيروز قادر على أن يحمل لبنان إلى العالم من دون أن ينطق باسم السياسة.

أما زياد، فقد اختار في كثير من أعماله أن ينزل إلى الشارع، إلى المقهى، إلى تفاصيل الناس، إلى تناقضات المجتمع، وإلى المسافة الواسعة بين ما يقوله المسؤولون وما يعيشه المواطنون.

لم تكن عبقريته في أنه قال كلامًا صادمًا فحسب، بل في أنه عرف كيف يجعل الصدمة فكرة، والفكرة مرآة، والمرآة سؤالًا لا يستطيع المرء الهروب منه.

في هذه المقولة، لا يتحدث زياد عن المال المسروق وحده؛ إنه يضعنا أمام مفارقة موجعة: قد تستطيع الأموال أن تشتري التعليم، وأن تفتح أبواب المعاهد، وأن تصنع مظاهر الثقافة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تزرع في الإنسان قيمًا لا يؤمن بها، ولا أن تمنح من يفتقر إلى الانتماء إحساسًا حقيقيًا بالوطن.

فالبلاغة ليست مجرد كلمات جميلة، والرقص ليس مجرد حركة، وعزف البيانو ليس مجرد مهارة. إنها صور للثقافة والفن، لكن الثقافة الحقيقية لا تُقاس بما نملكه من مظاهرها، بل بما تتركه في سلوكنا وأخلاقنا وعلاقتنا بالآخرين.

وهنا تكمن قسوة السخرية الزيادية: أن يضع كل هذا المال المسروق في كفة، ومعنى الوطن في كفة أخرى، ثم يتركنا أمام سؤال لا يحتاج إلى موسيقى تصويرية كي نشعر بثقله: كيف يمكن لوطن أن ينهض، إذا كان بعض أبنائه يتعاملون معه كغنيمة، لا كمسؤولية؟

إنها عبقرية تحويل الوجع إلى سخرية، والسخرية إلى نقد، والنقد إلى ذاكرة لا تمحوها السنوات.

وزياد، ابن المدرسة الرحبانية، لم يكن مجرد موسيقي أو مسرحي أو كاتب ساخر. لقد كان صاحب لغة خاصة، يعرف كيف ينتزع من الكلام اليومي معاني سياسية واجتماعية عميقة، وكيف يجعل الضحكة تحمل في داخلها مرارة البكاء.

وإذا كان الأخوان رحباني قد منحا لبنان أجنحةً من موسيقى الحلم والجمال، فإن زياد منحنا، في جانب كبير من تجربته، مرآةً نرى فيها ما نحاول أحيانًا ألّا نراه.

وليس في ذلك تناقض بين الرحابنة وزياد؛ بل لعلّ هذا التنوع نفسه دليل على غنى المدرسة التي خرج منها. فالإرث الحقيقي لا يفرض على الأبناء أن يكرروا ما صنعه الآباء، بل يمنحهم الجذور التي يستطيعون الانطلاق منها نحو آفاقهم الخاصة.

لذلك، حين نستعيد مقولة كهذه، لا نكتفي بالإعجاب بذكاء صاحبها، بل نكتشف مرة أخرى أن بعض الفنانين يتركون لنا أكثر من أغنية أو مسرحية؛ يتركون عبارات تختصر مرحلة كاملة، وتظل صالحة لأن نسأل أنفسنا من خلالها عن حاضرنا ومستقبلنا.

رحم الله زياد الرحباني، وأدام الله في لبنان من يملكون جرأته على السؤال، وموهبته في التعبير، وقدرته على كشف التناقض بين ادعاء حب الوطن وممارسة ما يؤذيه.

فالأوطان لا ينقصها من يتغنّى بها، بل من يصونها. ولا ينقصها من يتحدث عن كرامتها، بل من يحترم كرامة أبنائها. ولا ينقصها المال وحده، بل ينقصها أن يصبح المال في خدمة الإنسان، لا أن يصبح الإنسان في خدمة من سرقوا المال والوطن معًا.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o