عندما تكون الغربة ملاذا طوعيا في حياة البشر أو صدفة مقيمة بين المسافة والحنين، قابعة أبدا بين القلق والسكينة على الطرف الأدنى من حبل الاشتياق أو الطرف الأبعد، كالرسم المنقوش في لعبة القدر، فيصبح المكان أكثر شبها في الحضور والغياب، يأتي اليك من مكان لا تعرفه ويأخذك إلى مكان لن تعرفه. هذا الغريب في زحمة الوجود له روح، وجسدان يجمعهما المكان، هذا المشترك بين الجسد الحاوي والجسد المحتوي على قدَرِ ما رأه ارسطو، يكون ظلك الحاضر لماذا أنت دائما في هذا المكان حصرا من هذا الكون العظيم؟ تقضي فيه لحظاتٍ وأيامًا وسنوات، ولربّما اكثر من جلّ عمرك، لماذا أنت هنا مقيم وليس في مكان آخر؟ يضيق عليك العالم إلا هو، في اي موقع ولدت؟ او من اي مكان أتيت؟ وإلى أين ارتحلت وسكنت وأقمت؟ لماذا هنا؟ وليس هناك؟ والسؤال الابدي، من اي مكان سترحل إلى يومك الآخر؟ ما يجمع بين هذه الأسئلة الوجودية، هو المكان خاصتك، لا خاصة سواك، هو الدهر والقدر والعمر، هو سجل حضورك ووجودك وغيابك، هو الانسلاخ والانشداد، صراع الأمكنة داخل النفس البشرية.
في الغربة العابرة، سيان الأحساس عند الاحتساب بين الخاسر والرابح، الغربة الحقيقية هي في وجود التعلق الخطأ في حياتك والانتماء والتشبث، تبحث عن قعر الزوايا في دوائر المشاعر الباهتة وتستعين بدفء الوحدة احيانا، مثل نظرات العبيد الصامتين في ملهاة الكوميديا على مسرح المأساة.
يعرفك جيّداً، ولا يفهمك، يغرق في تفاصيل حياتك ولا يتحسس خواطرك العابرة، تنتابك شدة الإدراك في معرفته وتصاب بلعنة التجاهل التى اصابتك، كما البشرية جمعاء منذ ان غاصت أولى العواطف والاحاسيس في جسد الانسان، وغارتْ في أعماقه الدفينة، لتحيله متشردا على ابواب الاستجداء النفسي، كم يتذلل المرء على خواطر الأنانية عندما يرهن كبرياءه لرغبات ذاته في حب الآخر؟ هي عدالة الاستعطاء، شحيح في الأخذ انت، وجزيل في الطلب (العطاء )، هو.
من ينتصر؟ ومن يفوز؟ أيّهما الخاسر؟ إذْ ذاك هو ينتظر، وانت لا تعود، لتستفيق مذعورا، انك نسيت ذاتك عنده في غفوة اليقظة، وقد بلغ هو، البعد الأبعد في الرحيل، تمرغ الحياة طالعك غريبا في ريبة الوجود. كم انت ترى الأشياء كلّها بأدنى مقاسات تفاصيلها، ولا تُرى في دبيب الوجود الصارخ؟
الغربة، قدر منسي في التساوي عند ترادف السكينة، والتباين على مفارق المحن، هي ثنائية التقاطع بين الروح والجسد، تجتمع عند حيرة القلق في الاولى، ويتعب الآخر من الرحيل، من ضنا السفر وطول المسافة.
الإشكالية المستجدة هي، في تنميط العلاقة الجدلية وانتقالك في البوح عن مكنونات النفس وحضور الآخرين عبر تقنية دمج اللقاء في اختصار المسافة، والجمع بين الإقامة والغربة، وبين الحضور الافتراضيّ والغياب التام.
لقد اعادت أنسنة التكنولوجيا ربط الإنسان ببيئته وشكلت نموذجا متموجا من الإرباك في العلاقة الاجتماعية بين المكانين عنده، واستطاعت تسطيح الغربة لديه وتقليص الفجوة بين الحاسة المباشرة (لمسا ونظرا وسمعا)، والإحساس الداخلي (شعورا وحنّوا وإدراكا حسيا)، هي ليست ردما للهوة، بل هي جَسْرٌ للتواصل حتى بدا الحنين مشبعا بتقنيات الأمكنة والمحيط، وان كان الجسد يعجز عن الانتقال إلى ما تستطيع ان تصل اليه الروح.
إنها الحياة بكل تفاصيلها في الغربة والحضور، "ما هي إلا وداع طويل"، كما قال الكاتب الياباني هاروكي موراكامي بعدما تراءى له الوحي في روايته: "كافكا على الشاطئ".
د.حسان فلحه - جريدة "النهار"






