لم يكن الصدام العنيف الذي خاضه السيناتور الأميركي الجمهوري الراحل، ليندسي غراهام، مع القيادة العسكرية اللبنانية سوى جزءٍ من رؤية إقليمية أوسع وأكثر تعقيداً هندسها حتى الساعات الأخيرة من حياته التي انتهت بشكل مفاجئ إثر وعكة صحية طارئة.
وكشف موقع Axios الأميركي أن غراهام أمضى أسابيعه الأخيرة في وضع الأسس لدفع جديد وطموح يهدف إلى تحقيق أحد أبرز أحلامه الدبلوماسية؛ وهو التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. ووفقاً لأكسيوس، فإن السيناتور الراحل ظل يعمل حتى الرمق الأخير لترسيم ملامح الدور الأميركي في الشرق الأوسط بناءً على هذا المحور.
صيف 2025: "العرض والشرط المستحيل" في بيروت
ترتبط هذه الرؤية الإقليمية لغراهام ارتباطاً وثيقاً بملف التمويل والدعم فيلبنان. ففي آب 2025، حلّ غراهام ضيفاً ثقيلاً في الصالونات السياسية المقفلة في بيروت، حاملاً في جعبته مشروع اتفاقية دفاعية تاريخية وغير مسبوقة لتطوير الجيش اللبناني وتحديث ترسانته. غير أن هذا الدعم الأميركي السخي لم يكن مجانياً؛ بل ربطه غراهام بشرط حاسم وهو: نزع سلاح حزب الله بالكامل تقويضاً للنفوذ الإيراني في المنطقة.
وتحوّل هذا الضغط السياسي الممنهج إلى مواجهة مباشرة وعنيفة خلف الأبواب الموصدة في واشنطن في شباط 2026. وخلال اجتماع مغلق عُقد مع قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، وجّه غراهام طلباً حاداً، مطالباً المؤسسة العسكرية بتصنيف حزب الله علناً وبشكل رسمي كـ "تنظيم إرهابي".
وعندما جاءت إجابة قائد الجيش متزنة، ومستندة إلى قراءة واقعية تراعي الخصوصية اللبنانية والتوازنات الداخلية الهشة لحفظ السلم الأهلي، لم يحتمل السيناتور الجمهوري لغة الدبلوماسية؛ فانتفض غاضباً وأنهى الاجتماع فجأة، تاركاً خلفه شرخاً كبيراً في قنوات الاتصال بين الطرفين.
ولم يتأخر ردّ غراهام؛ إذ نقل المعركة سريعاً من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام في ربيع 2026، وشن هجوماً إعلامياً وتشريعياً شرساً ضد المؤسسة العسكرية اللبنانية، حيث وصف الجيش بأنه "شريك غير موثوق" للولايات المتحدة.
كما قاد تحركاً في الكونغرس، للمطالبة بقطع كل سنت من المساعدات الأميركية وبرامج التدريب والتسليح المخصصة له.
بوفاته المفاجئة، يغيب غراهام عن الساحة الدولية كأحد أكثر الشخصيات تأثيراً ونشاطاً في مجال السياسة الخارجية في واشنطن على مدى عقود. وترحل ومعه ملفات ساخنة وطموحات دبلوماسية لم تكتمل؛ بدءاً من خطة التطبيع الكبرى في الخليج، وصولاً إلى ملف المساعدات العسكرية المعلق في بيروت، تاركاً وراءه مسيرة طويلة رهن فيها استقرار المنطقة بتقويض الأذرع الإيرانية بالكامل.
المصدر: "لبنان 24"






