12:10 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

حين تتحول الدول إلى أسواق والمصالح إلى خرائط...

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

اجتمع اليوم ما يُسمّى بـ"الشيطان الأكبر" و"الداهية الأكبر" وجهًا لوجه، في مشهد يتجاوز صورة اللقاء إلى ما يحمله من رسائل ودلالات. فالداهية الذي كسر عقدة الخوف من الشيطان لم يره قوة مطلقة، بل طرفًا يتحرك وفق حسابات المصالح، ويبيع ويشتري عندما تتغير موازين السوق السياسي.

في عالم الدول، لا توجد صداقات دائمة ولا خصومات أبدية، بل مصالح دائمة. ومن يقرأ السياسة بعين العاطفة قد يكتشف متأخرًا أن الدول لا تقيس الشعوب كما تقيسها الشعوب لنفسها؛ فهناك من يدفع أثمانًا هائلة، ثم يجد نفسه خارج الحسابات عندما تتبدل الأولويات.

لقد شهدت المنطقة مرارًا تبدلات في التحالفات والمواقف، فكم من طرف اعتقد أنه محمي بثقله المالي أو السياسي اكتشف أن النفوذ لا يُدار بالوفاء بل بحساب الربح والخسارة. ولبنان، في هذا السياق، لم يكن استثناءً؛ فهو منذ عقود ساحة تتقاطع فوق أرضه مشاريع إقليمية ودولية أكبر من قدرته على التحكم بمساراتها.

أما إسرائيل، فتبقى عنصرًا ثابتًا في معادلات المنطقة، حيث يتحول ملف الأمن والاحتلال إلى ورقة ضغط تُستخدم في الصراعات المتعددة. وعندما يبقى جزء من الأرض تحت الاحتلال، يصبح ذلك عاملًا يعقّد أي نقاش داخلي حول السلاح والسيادة ومستقبل الدولة.
فالمعادلة القاسية تقول إن استمرار الاحتلال قد يُستخدم لتبرير استمرار أدوات المواجهة، فيما يبقى السؤال الأصعب: هل المطلوب إنهاء أسباب الأزمة، أم أن بعض القوى ترى في بقاء الأزمة مصلحة استراتيجية؟

والأخطر ليس فقط ما يحدث اليوم، بل ما قد يُرسم للغد. فعودة أدوار إقليمية قديمة إلى لبنان، إن حصلت، قد لا تأتي بالصورة نفسها التي عرفها اللبنانيون سابقًا، بل عبر عناوين جديدة وأدوات مختلفة. وعندها يصبح الخطر أن تنتقل الصراعات من سياسية إلى مذهبية، ومن مذهبية إلى طائفية، حيث تتحول الانقسامات الداخلية إلى مدخل لإعادة إنتاج النفوذ.

وعندما تصل الأزمات إلى حدود المناطق الحساسة في التركيبة اللبنانية، يعود اللاعبون الكبار غالبًا لتقديم أنفسهم كضامنين أو حماة، بينما تكون النتيجة الفعلية إعادة توزيع الأدوار وموازين القوة. وهنا يظهر خطر أن تتحول فكرة التقسيم أو أشكال الانفصال السياسي إلى طرح يُستعمل بعد أن تكون الانقسامات قد أصبحت أعمق من قدرة الدولة على احتوائها.

وفي قراءة أخرى للمشهد، فإن واقع الأرض وواقع السياسة والاستراتيجية يشيران إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمكنت، رغم الخسائر البشرية والمادية، من الحفاظ على موقعها كلاعب مؤثر في الإقليم. فالحروب والصراعات لا تُقاس فقط بحجم الخسائر، بل بما يبقى من قدرة على التأثير وصناعة القرار وفرض الحضور في أي تسوية مقبلة.

فقد يخسر طرف جولات ميدانية، لكنه ينجح في تثبيت موقع تفاوضي أو منع خصمه من تحقيق أهدافه كاملة. ومن هذه الزاوية، فإن اضطرار الولايات المتحدة إلى إعادة حساباتها، وقبولها بمستوى من التفاوض أو التسويات التي لم تكن مطروحة سابقًا، يُقرأ عند البعض كدليل على أن موازين القوى لم تعد أحادية كما كانت.

فالانتصار في السياسة الدولية ليس دائمًا إعلان هزيمة الطرف الآخر، بل أحيانًا القدرة على البقاء، والصمود، والتحول إلى طرف لا يمكن تجاوزه عندما تُرسم خرائط المرحلة المقبلة.

وفي النهاية يبقى لبنان هو من يدفع الثمن. بلد صغير في الجغرافيا، لكنه كبير في الصراعات التي تُدار فوق أرضه. ثرواته، موقعه، وتنوعه الاجتماعي تتحول إلى عناصر جذب في لعبة النفوذ، فيما يبقى السؤال الأكبر: متى يصبح لبنان صاحب القرار في قضاياه، لا ساحة لتسويات الآخرين؟

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o