جوانا فرحات
المركزية- بالزغاريد والرصاص استقبل جزءٌ من السوريين وفئة من اللبنانيين الذين عاشوا مراحل عمرية من الذل والتعذيب على يد جيش نظام بشار الأسد الحكم الصادر في 11 آب الجاري عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، وقضى بالإعدام الغيابي على بشار الأسد وشقيقه ماهر.
الحكم بالإعدام صدر ولكن هل تستطيع دمشق طلب تسليمه من موسكو استناداً إلى معاهدة وقّعتها سوريا وروسيا وصدّق عليها الأسد قبل سقوط نظامه؟
في 29 حزيران 2022 صدّق بشار الأسد على معاهدة التسليم والتعاون القضائي الموقعة في بطرسبورغ وصادقت عليها روسيا بقانون وقعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نيسان 2023 ودخلت حيز التنفيذ في حزيران من العام نفسه. وتنص المعاهدة على تسليم المطلوبين للملاحقة الجنائية أو تنفيذ الأحكام، كما تنطبق على الجرائم المرتكبة قبل دخولها حيز التنفيذ، ما يعني أن الجرائم المنسوبة إلى الأسد منذ 2011 لا تمنع التسليم بحد ذاتها. لكن كون دمشق لا تزال تعترف بحكم الإعدام، فهذا يعطي روسيا هامشا واسعا لرفض تسليمه، إلا إذا قدمت دمشق ضمانات كافية ومن أبرزها إعادة إجراء محاكمة علنية وضمان سلامته وهذا حق قانوني بحسب أستاذ العلاقات الدولية الدكتور بسام عبدالله.
بحسب المواثيق الدولية يحق للدول التي ترفض عقوبة الإعدام، أو التي تضع قيوداً شديدة على تطبيقها، أن ترفض تسليم شخص إلى دولة يواجه فيها الإعدام، ما لم تحصل على ضمانات موثوقة بأن الحكم لن ينفذ. وهذا مبدأ معروف في التعاون القضائي الدولي. وبالتالي، فإن موسكو أمام خيارين أساسيين: إما أن توافق على التسليم إذا حصلت على ضمانات سورية واضحة بأن حكم الإعدام لن يُنفّذ، وربما يُستبدل بعقوبة أخرى، أو ترفض التسليم، مستندة إلى أن تسليم شخص إلى دولة صدر بحقه فيها حكم بالإعدام قد يتعارض مع الضمانات القانونية التي تعتمدها روسيا أو مع شروط اتفاقية التسليم.
حتى الآن لا يمكن الجزم بأن موسكو ترفض التسليم بصورة نهائية، لأن الملف ليس قانونياً فقط، وإنما سياسي بامتياز. وبحسب اوساط مطلعة، فإن العلاقة بين موسكو ودمشق الجديدة لم تنقطع بعد سقوط الأسد وقد دخل الطرفان في مفاوضات حول مستقبل الوجود الروسي والمصالح الروسية في سوريا. لذلك، فإن القرار النهائي لن يكون في يد القضاء وحده و سيكون للكرملين الكلمة السياسية الأهم. أما إذا رفضت روسيا تسليم الأسد، فالأرجح أن يبقى في الأراضي الروسية، ولكن وضعه لن يكون كما كان قبل. فالحكم السوري الجديد سيحوّله من رئيس سابق يتمتع باللجوء في روسيا إلى شخص محكوم عليه بالإعدام ومطلوب قضائياً من الدولة السورية.
وفي حال أصرت دمشق على تنفيذ حكم الإعدام فإن احتمال تسليم موسكو للأسد سيتراجع بصورة كبيرة. وإذا أرادت دمشق فعلاً استعادته، فقد تضطر إلى تقديم ضمانات رسمية وقانونية بأن الحكم لن ينفذ، أو أن العقوبة ستتحول إلى السجن. وهذا الخيار قد يضع دمشق أمام معادلة صعبة، فإما أن تتمسك بحكم الإعدام باعتباره يعبّر عن حجم الجرائم المنسوبة إلى الأسد، أو تقبل بتعديل العقوبة إذا كان ذلك هو الثمن القانوني والسياسي لاستعادته ومحاكمته داخل سوريا. من هنا فإن الحكم قد يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة سوريا الجديدة على الموازنة بين العدالة والواقعية السياسية.
تمسك موسكو بالأسد لن يكون فقط من باب إنساني فالثمن الذي ستقبضه روسيا ويقايض عليه بوتين ينطلق من إصراره بالحفاظ على نفوذه ومصالحه الاستراتيجية، بما في ذلك مستقبل وجوده العسكري والعلاقات الاقتصادية والسياسية مع دمشق. ولذلك يمكن أن يصبح ملف الأسد جزءاً من عملية مقايضة مفادها تسليم الأسد مقابل ترتيبات سياسية أو قانونية أو ضمانات تتعلق بالمصالح الروسية.
وقد تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة: فبدلاً من أن يكون السؤال "هل تسلّم روسيا الأسد؟"، قد يصبح السؤال "ما الذي يمكن أن تحصل عليه روسيا مقابل تسليمه؟". وهنا تتحول القضية من ملف قضائي إلى ورقة تفاوض جيوسياسية.
المعطيات الحالية تشير إلى أن التسليم الفوري للأسد إلى دمشق ليس السيناريو الأكثر ترجيحاً. فالكرملين سبق أن رفض إعطاء مؤشرات واضحة على استعداده لتسليمه، فيما أصبح الحكم بالإعدام عقبة إضافية أمام أي عملية تسليم. وقد رأى قانونيون أن الحكم يمكن أن يعقّد عملية الاسترداد بدلاً من تسهيلها. والسيناريو الأكثر واقعية قد يكون تفاوضاً روسياً ـ سورياً طويلاً حول مصير الأسد، تتداخل فيه الاعتبارات القضائية مع مستقبل العلاقات بين البلدين والمصالح الروسية في سوريا.
الكرة الآن في ملعب موسكو، لكن دمشق تملك أوراقاً مهمة: حكماً قضائياً، وملف اتهام، ومطالبات بالعدالة، وإمكان الضغط السياسي والدبلوماسي.أما روسيا، فتمتلك الورقة الأقوى وجود الأسد على أراضيها. ولهذا فإن مستقبل الرئيس السوري السابق لن يتحدد في قاعة المحكمة في دمشق وحدها، بل في مكان آخر أيضاً: طاولة التفاوض بين دمشق وموسكو.






