القرى الجنوبية، ليست المياه مجرد خدمة يومية، بل هي أساس بقاء السكان، وركيزة الزراعة التي تعتمد عليها آلاف العائلات. هي جزء من هوية أرض ارتبطت ينابيعها وأنهارها وتربتها بتاريخ منطقة عانت منذ ما قبل العام 1948. لذلك، فإن أي تهديد لهذا المورد لا يمس الحاضر فقط، بل يرسم مستقبل أجيال كاملة تعتمد على مياه آمنة وأراضٍ قادرة على الإنتاج.
تكشف أرقام الأمم المتحدة حجم الاضرار التي أصابت القطاع المائي منذ بداية الاعتداءات الإسرائيلية، إذ تضررت 34 منشأة مائية بين محطات ضخ وخزانات وشبكات توزيع، ما أثر في إمدادات المياه لأكثر من 400 ألف شخص في محافظتي الجنوب والنبطية. وبلغت خسائر قطاعات المياه والصرف الصحي والري نحو 527 مليون دولار، فيما تُقدَّر كلفة إعادة الإعمار والتعافي بنحو 508 ملايين دولار. لكن هذه الأرقام لا تعكس سوى الجزء الظاهر من الأزمة. فالخطر الأكبر يكون مختبئا تحت سطح الأرض، حيث الخزانات الجوفية التي تشكل شريان الحياة للمنطقة. فجنوب لبنان يتميز بتكوينات كلسية ودولوميتية كارستية غنية بالشقوق والأقنية الطبيعية، وهي بنية تسمح بسرعة حركة المياه، لكنها تجعلها أيضا أكثر عرضة لانتقال الملوثات من السطح إلى الأعماق. لهذا، فإن السؤال الأساسي اليوم يتعلق بما إذا كانت التفجيرات والمخلفات العسكرية قد غيّرت التوازن الهيدروجيولوجي للمنطقة، وفتحت مسارات مائية جديدة تنقل ملوثات تهدد مياه الشرب والزراعة والصحة العامة لسنوات طويلة.
الانفجارات ومسارات المياه تحت الأرض
في البيئات الكارستية (صخور صلبة متشققة) مثل جنوب لبنان، يصل تأثير التفجيرات العسكرية إلى أعماق الصخور التي تختزن المياه الجوفية، فتغير بنيتها الداخلية ومسارات حركة المياه التي تشكلت عبر آلاف السنين. تتميز الصخور الكلسية والدولوميتية في المنطقة بشبكة معقدة من الشقوق والفواصل والكهوف الطبيعية التي تسمح بتخزين المياه وتغذية الينابيع، لكنها تجعل النظام الجوفي أكثر حساسية للاهتزازات العنيفة. فالموجات الانفجارية قد توسع الشقوق الموجودة أو تفتح مسارات جديدة، ما يزيد النفاذية الثانوية للصخور ويعيد توجيه حركة المياه الجوفية، مع احتمال تغيير تغذية الآبار والينابيع أو فقدانها. وتعتمد شدة هذه التغيرات على قوة الانفجار وطبيعة الصخور ودرجة تشققها وعمق الخزانات الجوفية. ففي الصخور الكلسية المتماسكة، تصل سرعة الموجات الزلزالية الأولية إلى 5500 متر في الثانية، بينما تنخفض في التكوينات الكارستية المتشققة إلى 3500 بسبب وجود الفراغات والشقوق. وتشير النماذج الجيوفيزيائية إلى أن تفجيرا بوزن 500 كيلوغرام قد يؤثر في الصخور حتى عمق 50 إلى 70 مترا، بينما يمكن شحنة 2000 كيلوغرام أن تمتد تأثيراتها إلى 150 أو 200 متر.
لكن الخطر الأكبر لا يرتبط فقط بعمق التأثير، بل بقدرة الانفجارات على تغيير النظام الهيدروليكي للخزانات الجوفية. فقد تؤدي الاهتزازات إلى تعديل ضغوط المياه داخل الشقوق، وانهيار بعض التجاويف أو انسداد الاقنية المائية، ما يغير اتجاهات الجريان ويؤثر في تغذية الينابيع. وفي المناطق الساحلية، قد تزيد هذه التغيرات خطر تسرب مياه البحر إلى الخزانات الجوفية العذبة. الأكثر خطورة أن الشقوق الجديدة قد تتحول إلى ممرات سريعة لنقل الملوثات. ففي الأنظمة الكارستية العالية النفاذ، يمكن بقايا المتفجرات الكيميائية أن تصل إلى المياه الجوفية خلال أيام أو أسابيع بدل فترات أطول في الصخور قليلة النفاذ. وهكذا، فإن آثار القصف الحربي لا تقتصر على ما دُمر فوق الأرض، بل تمتد إلى تشكيل الدورة الطبيعية للمياه في باطنها، تاركة تهديدا بيئيا غير مرئي قد يؤثر في مستقبل الموارد المائية لسكان جنوب لبنان لسنوات طويلة.
إرث كيميائي قد يستمر عقوداً
القذائف والصواريخ والذخائر تترك خلفها مخلفات كيميائية قادرة على التأثير في البيئة لسنوات طويلة. وتشمل هذه المخلفات بقايا متفجرات مثل TNT وRDX وHMX، ومعادن ثقيلة كالرصاص والزئبق والكادميوم والنحاس والزنك، إضافة إلى مركبات أخرى مثل النيترات والأمونيوم وأكاسيد النيتروجين والهيدروكاربونات، وقد تترافق في بعض الحالات مع مواد شديدة السمية مثل الديوكسينات والفيورانات وبقايا وقود الصواريخ كالكوردايت. وتزداد خطورة هذه الملوثات في جنوب لبنان بسبب طبيعة الصخور الكارستية الكلسية والدولوميتية، حيث تسمح الشقوق والقنوات الطبيعية بانتقالها بسرعة نحو الخزانات الجوفية، متجاوزة جزءًا من قدرة التربة على التنقية الطبيعية. ولا يقتصر الخطر على مياه الشرب، إذ يمكن الملوثات أن تنتقل عبر مياه الري إلى النباتات ثم إلى السلسلة الغذائية، ما يزيد احتمالات تراكم المعادن الثقيلة وتأثيراتها الصحية المزمنة، ومنها اضطرابات الجهاز العصبي وتعطل الكلى واختلالات النمو وظهور الأمراض السرطانية.
ويواجه القطاع الزراعي تحديا إضافيا، فقد بلغت خسائره نحو 704 ملايين دولار نتيجة تضرر منشآت الري وتعطل الآبار ومحطات الضخ. إلا أن استعادة الإنتاج لا تتطلب فقط إعادة تشغيل البنية التحتية، بل ضمان سلامة التربة والمياه التي تعتمد عليها زراعة الزيتون والحمضيات والتبغ والمحاصيل الموسمية.
لذلك، فإن إعادة إعمار الجنوب يجب أن تشمل إعادة تأهيل البيئة نفسها عبر برامج طويلة الأمد لمراقبة التربة والمياه، ومعالجة المواقع الملوثة بتقنيات متخصصة مثل تثبيت الملوثات، والمعالجة الحيوية والمعالجة الكيميائية، إضافة إلى تقنيات تنقية المياه الجوفية.
العلم لحماية المستقبل
الكشف المبكر عن تغيرات الخزانات الجوفية قد يكون العامل الحاسم بين احتواء التلوث أو تحوله إلى تهديد بيئي وصحي يمتد عقودا. ولهذا تعتمد الدراسات الحديثة على تقنيات جيوفيزيائية متقدمة، أبرزها التصوير الزلزالي الثلاثي البعد لتحديد مناطق ضعف الصخور وزيادة التشققات، والتصوير بالمقاومة الكهربائية لرصد مسارات المياه داخل الأنظمة الكارستية. وتُدعّم هذه الأدوات بشبكات مراقبة هيدروجيولوجية وتحاليل دورية لخصائص المياه ومتابعة أي تغير في جودتها أو حركة الخزانات الجوفية. لكن حمايتها لا تعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل تحتاج إلى برنامج طويل الأمد يشمل تقييم المواقع الملوثة، وإنشاء شبكات دائمة لمراقبة المياه والتربة وتعزيز التعاون بين الجامعات والمختبرات والمؤسسات المعنية لاتخاذ قرارات مبنية على الأدلة العلمية.
على المستوى الميداني، تبقى الإجراءات الوقائية ضرورية كتجنب استخدام الآبار القريبة من مناطق القصف قبل تحليلها، والحد من التعرض لغبار الركام وغسل المنتجات الزراعية وعدم استثمار الأراضي المشتبه في تلوثها قبل تقييمها. فإعادة بناء الطرق والمنازل قد تتحقق خلال سنوات، أما استعادة سلامة الأنظمة البيئية فقد تحتاج إلى عقود من المراقبة والمعالجة. وفي بيئة كارستية حساسة مثل جنوب لبنان، فإن التأخر في التعامل مع هذه المخاطر قد يحول تلوثا مكانيا إلى أزمة مائية مناطقية يصعب احتواؤها مستقبلًا.
في جنوب لبنان، لا تختزن الصخور المياه وحدها، بل تختزن ذاكرة المكان وحياة الناس. فأيّ تغير يصيب هذه الخزانات الجوفية اليوم قد ينعكس غدا على صحة طفل، أو رزق مزارع، أو ديمومة قرية كاملة. لذلك، فإن حماية المياه ليست قضية بيئية فحسب، بل هي شرط أساسي لإعادة بناء مجتمع أنهكته الحرب. قد تُرمَّم المنازل وتُعاد تعبئة الطرق بالحياة، لكن إعادة إعمار الجنوب لن تكتمل ما لم تستعد مياهه عافيتها. فالماء أساس الصحة والزراعة والاستقرار، وهو الإرث الحقيقي الذي سيحدد شكل الحياة والمستقبل. وإذا كانت الحرب تترك ندوبها في الأرض، فإن حماية المياه هي السبيل لمنع تحول تلك الندوب إلى إرث دائم.
أحمد الحاج (دكتور وأستاذ جامعي في علوم المياه والبيئة) - "النهار"






