6:40 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

ترامب يُدير ظهره لأوروبا: صفقة مع إيران ولا صفقة مع روسيا

بينما كان دونالد ترامب يحتفل باتفاقه مع إيران على منصة "إكس"، كانت النيران تلتهم دير بيشيرسك لافرا في كييف، أحد أقدس المعالم الدينية في أوكرانيا. مشهدان في اللحظة نفسها، يكشفان أولويات الإدارة الأميركية الجديدة: صفقة في الشرق الأوسط، وحرب أوروبية تُترك لمصيرها.

الرجل الذي أمضى أشهراً يلاحق اتفاقاً مع طهران لم يفلح حتى الآن في انتزاع هدنة من موسكو أو وقفٍ لإطلاق النار في أوكرانيا. وهنا تحديداً تكمن خيبة الأمل الأوروبية التي عبّرت عنها صحف القارة وصنّاع القرار فيها على حدّ سواء. الأوروبيون لا يعترضون على التفاوض مع إيران، ما يقلقهم هو اللامبالاة الأميركية إزاء ما يجري على الأرض الأوروبية، بينما تواصل روسيا ضرب أعمق الرموز التاريخية في أوكرانيا، وتُرسّخ وجودها العسكري على حدود حلف الناتو.

صفقة تُفرح واشنطن ولا تُطمئن أوروبا

الاتفاق الأميركي الإيراني، يفتح الطريق نحو تخفيف التوترات في منطقة الخليج وإعادة تأمين الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز. وقد رأى فيه مسؤولون أوروبيون خطوةً في الاتجاه الصحيح، غير أنهم أحاطوه بتحفّظات واضحة، معتبرين إياه هشّاً وغير مكتمل. هذه العبارة وحدها تلخّص الموقف الأوروبي العام من دبلوماسية ترامب، إذ لا يوجد رفض مبدئي للتفاوض مع الخصوم، لكن هناك غياباً للثقة في المآلات، لا سيما بعد الفشل الذريع في ترتيب أي تسوية مع موسكو التي لا تزال تستنزف دولةً في قلب القارة الأوروبية.

والأرقام لا تكذب. فقد كشفت دراسة استقصائية شاملة أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في خمس عشرة دولة أوروبية، بمشاركة أكثر من تسعة عشر ألف شخص، أن أحد عشر بالمئة فقط من الأوروبيين لا يزالون يعدّون الولايات المتحدة حليفاً حقيقياً للاتحاد الأوروبي. واحد من كل عشرة فحسب. في المقابل، يُصنّف خمسة وعشرون بالمئة منهم أميركا منافساً أو خصماً. وحمل التقرير عنواناً لافتاً بقدر ما هو صارخ: "وحدنا في البيت: الأوروبيون مستعدون للدفاع عن أنفسهم".

هذا الاستياء الشعبي ليس ردّ فعل انفعالياً. إنه تحوّل بنيوي عميق في طريقة نظر الأوروبيين إلى الضمان الأميركي. الأجيال التي نشأت في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية تشرّبت فكرة أن واشنطن تقف في الخلفية حارسةً، وأن الناتو ضمانة لا تُناقَش. وما يجري اليوم لا يشبه أياً من الأزمات السابقة في العلاقة عبر الأطلسي، لا في بُعده الرمزي ولا في تداعياته الميدانية.

الميدان لا يتوقف انتظاراً للدبلوماسية

وبينما تتعثّر المساعي الأميركية لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، لا تنتظر الحرب على الأرض أحداً. ففي الأيام الأخيرة وحدها، تصاعد المشهد على أكثر من جبهة في آنٍ واحد.

كثّفت أوكرانيا ضرباتها على البنية التحتية النفطية الروسية في شبه جزيرة القرم المحتلة، مستهدفةً واحدة من أضخم المنشآت الصناعية في المنطقة. وامتدت الضربات لتطال مستودع وقود تابعاً للوكالة الفيدرالية الروسية للاحتياطات الحكومية في ياروسلافل شمال شرق موسكو، حيث وصف سكان المنطقة كيف "كان المطر نفطاً" إثر حرائق ضخمة اندلعت نتيجة هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية.

أما الرد الروسي فقد جاء موجعاً ومقصوداً، إذ استهدف دير بيشيرسك لافرا، الرمز الديني والتاريخي العتيق لكييف والوجدان الأرثوذكسي الأوكراني. واختيار هذا الهدف بالذات ليس اعتباطياً، إذ إن موسكو تعرف أن المعالم التاريخية تمسّ الوجدان الأوروبي بطريقة مختلفة، وأن استهدافها يحمل رسالةً مزدوجة إلى أوكرانيا وأوروبا في آنٍ معاً.

فجّر سفنك ولا تأبه

ولا يمكن تجاهل حرص ترامب على إبرام اتفاق مع إيران صوناً لتدفق النفط عبر هرمز إلى الأسواق العالمية، في الوقت الذي يغيب فيه هذا الاهتمام كلياً حين يتعلق الأمر بالنفط الروسي. ولأن أوروبا تحتاج إلى وقف تمويل الحرب الروسية، والنفط هو شريان هذا التمويل، باتت تستهدف المنشآت النفطية الروسية وأسطول الظل الذي يحمل خامها إلى المشترين المتحايلين على العقوبات.

والمفارقة هنا أن اتفاقاً أميركياً جاداً مع موسكو كان يمكن أن يُبقي أوروبا مستفيدةً من نفط روسي مجاور ورخيص، بدلاً من أن تجد نفسها اليوم في موقع من يدمّر ما كان يمكن أن يستورده. هذا التناقض تحديداً هو ما يغذّي التساؤلات الأوروبية المتصاعدة: هل يتعامل ترامب مع الأزمتين الشرق أوسطية والأوروبية بمعايير مختلفة ولمصالح مختلفة؟

على الأرض، نفّذت بريطانيا أول عملية احتجاز من هذا النوع، حين صعد عناصر من مشاة البحرية الملكية على متن ناقلة النفط "سميرتوس" في القناة الإنجليزية وصادروا حمولتها. ووصف رئيس الوزراء كير ستارمر العملية بأنها ضربة أخرى لروسيا وتذكير لمن يموّل حرب بوتين. وكانت بلجيكا وإستونيا وفنلندا وفرنسا قد نفّذت عمليات مماثلة قبل ذلك.

وفي هذا السياق، أطلق دميتري روغوزين، عضو مجلس الشيوخ الروسي والرئيس الأسبق لوكالة الفضاء روسكوسموس، فكرةً صادمة حول زرع متفجرات في ناقلات النفط الروسية المشاركة في أسطول الظل، بحيث تنفجر لحظة احتجازها في مياه أجنبية. وقال صراحةً إن بعض الانفجارات أمام أعين الأوروبيين، مع ما يرافقها من تسريبات نفطية وكوارث بيئية، كفيلة بتغيير حساباتهم فوراً. وقد لاقى الاقتراح ترحيباً في أوساط المدوّنين العسكريين الروس، فيما وصفه منتقدوه بأنه طيش يهدد بكوارث بيئية دولية لا يمكن التنبؤ بحجم عواقبها.

أوروبا تُعيد حساباتها

ما يجري يتجاوز كونه خلافاً دبلوماسياً عابراً بين ضفّتي الأطلسي. إنه إعادة رسم للخريطة الأمنية الدولية في زمن فعلي ومتسارع لا يتحمّل ترف الانتظار. أوروبا لا تستطيع أن تُعلّق أمنها على مزاج رجل في البيت الأبيض يرى في الشرق الأوسط فرصةً وفي أوكرانيا عبئاً. والأخطر من الحرب ذاتها أن الأوروبيين باتوا يُدركون هذه الحقيقة ويتصرفون على أساسها.

ترامب حقّق ما أراده في طهران، وقد يكفيه ذلك انتخابياً وإعلامياً. لكنه رسّخ في المقابل قناعةً أوروبية لن تزول بسهولة: أن أمريكا لم تعد الحارس الذي يُعوَّل عليه، وأن على أوروبا أن تبني أمنها بيدها، لا أن تنتظر صفقةً قادمة لم تُبرَم بعد ولن تُبرَم غداً. وحدها في البيت، لكنها هذه المرة تعرف ذلك.

("المدن")

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o