11:45 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

بين الضمانات والمكاسب... هل المشكلة في الطائفية السياسية أم في الطائفية نفسها؟

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد.

بين طلب الضمانات وطلب المكاسب فرقٌ كبير وشاسع، بل وخطير أحيانًا. فالضمانات تُطلب لحماية الجميع وبناء الاستقرار، أما المكاسب فتُطلب لتحسين موقع طرفٍ على حساب آخر.

اليوم يُطرح سؤال: إذا كان تسليم السلاح مرتبطًا بالمطالبة بإلغاء الطائفية السياسية، فلماذا لا تكون المطالبة بإلغاء الطائفية من أساسها، وشطبها من النفوس قبل النصوص، ومن الهوية السياسية والاجتماعية معًا؟ ولماذا لم يكن هذا المطلب مطروحًا بالزخم نفسه في السنوات السابقة؟
إلغاء الطائفية السياسية لا يمكن أن يكون شعارًا يُستخدم عند الحاجة كورقة تفاوض أو مقابل يُطلب لقاء خطوة معينة، لأن القضايا الوطنية الكبرى لا تُقاس بمنطق المقايضة. فهل نحن أمام مطلب سيادي يهدف إلى بناء دولة المواطنة فعلًا، أم أمام محاولة لتحقيق مكاسب سياسية جديدة؟

من يطالب عادةً يطالب من موقع المنتصر، بينما واقع البلاد يقول إن الجميع خسروا، وإن لبنان بأكمله دفع أثمانًا باهظة من الدماء والاقتصاد والاستقرار. لذلك فإن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة الخسارة الوطنية الشاملة، لا للبحث عن كيفية تعويض خسارة طائفة أو تعزيز نفوذ فئة.

في لبنان، المشكلة لا تتوقف عند الطائفية السياسية فقط، بل تمتد إلى بنية النظام نفسه. فالبلاد لا تزال محكومة عمليًا بمنطق المحاصصة الطائفية الذي يُترجم في كثير من المواقع العامة بما يُعرف بمبدأ "6 و6 مكرر"، أي اقتسام الوظائف والمراكز بين الطوائف والمذاهب، بحيث يصبح الانتماء الطائفي معيارًا أساسيًا في التعيين، لا الكفاءة والخبرة والجدارة.

ومن هنا نرى معظم الملفات تتحول بسرعة إلى سجالات طائفية. فإذا عُيّن سني في موقع كان يشغله شيعي، أو شيعي في موقع كان يشغله مسيحي، أو مسيحي في موقع محسوب على الدروز أو غيرهم، تقوم الدنيا ولا تقعد، وتبدأ التصريحات والاعتراضات وكأن الوظيفة ملك للطائفة لا للدولة. وفي زمن تعاني فيه البلاد من انهيارات مالية واقتصادية وإدارية غير مسبوقة، يصبح من المؤسف أن ينشغل بعض السياسيين بمعارك الحصص بدل الانشغال ببناء المؤسسات.

لكن الحقيقة الأعمق أن الأزمة ليست في الطائفية السياسية وحدها، بل في الذهنية الطائفية التي ما زالت تتحكم بكثير من تفاصيل الحياة العامة. فلو أُلغيت الطائفية السياسية غدًا، وبقي المواطن ينظر إلى الموظف والقاضي والوزير من زاوية طائفته لا من زاوية كفاءته ونزاهته، فلن يتغير الكثير. قد تتغير الأسماء والعناوين، لكن جوهر المشكلة سيبقى قائمًا.

لذلك فإن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يبدأ من إلغاء الطائفية السياسية وحدها، بل من مقاربة أوسع وأعمق تقوم على إلغاء الطائفية من الأساس كمحدد للحياة العامة، وإزالة حضورها من المعاملات والهويات والذهنيات. فالمواطن يجب أن يُعرَّف بصفته مواطنًا لا بصفته ابن هذه الطائفة أو تلك.

ومن الخطوات التي يراها كثيرون مساعدة على هذا المسار، إقرار الزواج المدني الاختياري، لأنه يفتح الباب أمام مزيد من التفاعل والاندماج بين اللبنانيين خارج القوالب الطائفية التقليدية، ويعزز مفهوم المواطنة المشتركة. كما أن الوصول يومًا إلى هوية لا تُذكر عليها الطائفة قد يشكل خطوة رمزية وعملية باتجاه دولة مدنية حقيقية.

أما الوظائف العامة، فيجب أن تكون للأكفأ والأقدر والأكثر استحقاقًا، بغض النظر عن انتمائه الديني أو المذهبي. فالدولة التي تُدار بالكفاءة تزداد قوة، بينما الدولة التي تُدار بالمحاصصة تبقى أسيرة الأزمات نفسها مهما تبدلت الأسماء والوجوه.

إن جوهر الأزمة اللبنانية لا يكمن فقط في النصوص الدستورية أو في توزيع المناصب، بل في غياب الثقة بين مكونات المجتمع وفي استمرار النظر إلى الدولة كحصص موزعة بين الطوائف لا كمؤسسة جامعة للجميع. ولهذا فإن أي إصلاح جدي يحتاج إلى مسارين متوازيين: إصلاح سياسي وقانوني يعزز مفهوم الدولة والمؤسسات، وإصلاح ثقافي واجتماعي يعزز المواطنة ويخفف من العصبيات الطائفية المتجذرة عبر عقود طويلة.

فالتحدي الحقيقي ليس في إلغاء الطائفية على الورق، بل في جعل اللبناني يشعر أن حقوقه محفوظة لأنه مواطن، لا لأنه ينتمي إلى طائفة معينة. عندها فقط تصبح الكفاءة معيارًا طبيعيًا، ويصبح النقاش حول هوية الموظف أو القاضي أو المدير أمرًا لا معنى له.

لا يزال بين اللبنانيين مسافات طويلة من انعدام الثقة، وما زلنا بعيدين عن بناء شراكة وطنية حقيقية. فالشراكة لا تُبنى عندما يفكر كل طرف بما يمكن أن يربحه لنفسه، بل عندما يفكر الجميع بما يمكن إنقاذه للوطن.

المشكلة ليست في عنوان إلغاء الطائفية بحد ذاته، بل في توقيته، وفي الخلفيات التي تدفع إلى طرحه، وفي الشكوك القائمة حول ما إذا كان الهدف بناء دولة لجميع أبنائها، أم إعادة توزيع موازين القوى تحت عنوان جديد. ولهذا يبدو أن بعض اللبنانيين ما زالوا في مكان، فيما شركاؤهم في الوطن ما زالوا في مكان آخر، وبين الرؤيتين فجوة تحتاج إلى أكثر من شعارات حتى تُردم.

وإذا لم نقارب الأمور من هذا المنظار الوطني الشامل، وإذا استمرت السياسة أسيرة الحسابات الفئوية الضيقة، فسنجد أنفسنا أمام مزيد من الانقسام والتباعد، وربما أمام مشاريع تقسيم لا يريدها معظم اللبنانيين. إن الخطر الحقيقي ليس في اختلاف الطوائف، بل في إصرار بعض السياسيين على استثمار هذا الاختلاف بدل تحويله إلى مصدر غنى وتنوع.

لبنان لا يحتاج اليوم إلى معارك جديدة حول الحصص، بل إلى مشروع دولة. دولة يكون معيارها المواطن والكفاءة والقانون، لا الطائفة والزعيم والمحسوبية. عندها فقط يصبح الحديث عن إلغاء الطائفية السياسية خطوة طبيعية ضمن مسار إصلاحي متكامل، لا عنوانًا يُستخدم في بازار السياسة أو ورقةً في لحظة تفاوضية عابرة.

فالدولة لا تُبنى عندما يصبح لكل طائفة حصتها، بل عندما يشعر كل مواطن أن الدولة حصته. وهذه هي المعادلة التي إن نجح لبنان في الوصول إليها، يكون قد بدأ فعلًا رحلة الخروج من أزماته المزمنة نحو دولة المواطنة الحقيقية.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o