كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س. عبيد:
بين لبنان وإسرائيل، لم يكن التاريخ سلسلة حروب متقطعة بقدر ما كان مسارًا طويلًا من الاحتكاك المستمر. عشرات المواجهات، من الصغيرة إلى الكبيرة، رسمت خطًا من النار على حدودٍ لم تهدأ. وفي محطات مفصلية مثل 2006 و2024 و2026، بلغ التصعيد ذروته، ودخلت المنطقة في دوامات قاسية من القصف والدمار والتوغلات.
في عام 2006، كانت الحرب واضحة، قاسية، شاملة. تلتها مفاوضات، ثم هدنة غير مكتملة، ثم عودة إلى قواعد اشتباك هشة. في 2024، خسرنا مواقع وقرى، وفي 2026 اشتدّ الضغط حتى بدا أن جنوب الليطاني بأكمله يدفع الثمن، وأن السيطرة بالنار تمتد لتطال معظم الجغرافيا اللبنانية.
السؤال الصريح: ماذا أعطتنا الحرب؟
الجواب المؤلم: دمار، خسائر بشرية، وواقعًا معيشيًا قاسيًا، خصوصًا في الجنوب. لم ينتصر حزب الله بالمعنى الحاسم، ومن يعتقد ذلك يتجاهل حجم الخسائر. لكن في المقابل، لم يتحقق أيضًا النصر الذي سعت إليه إسرائيل. نحن أمام نتيجة مركبة: لا انتصار كامل، ولا انكسار كامل.
ما حصل اليوم هو اتفاق لوقف إطلاق النار. تهدئة مؤقتة، توازن بين ما تحقق وما تعذّر تحقيقه. هدنة تفتح الباب أمام ما يُطبخ خلف الكواليس، حيث تُكتب تفاهمات قد تظهر لاحقًا بشكل أو بآخر.
وسط كل ذلك، يبقى الشعب. شعبٌ دفع الثمن الأكبر. "هيهات منا الذلة" ليست مجرد شعار، بل تعبير عن كرامة راسخة. نعم، هذه الحرب لم أكن يومًا معها، ولن أكون، لأنها لم تجلب سوى الخراب والانقسام. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار تضحيات من سقطوا. هؤلاء أبناء هذا الوطن، لهم بطولة، ولهم شهادة، حتى وإن اختلفنا مع القرار الذي قاد إلى الحرب.
والحقيقة الأعمق أن الشرارة الأولى، مهما كانت، لم تكن وحدها السبب. إسرائيل كانت تنتظر لحظة مناسبة، وقد وجدتها. لكن ذلك لا يعفي من المسؤولية، بل يفرض مراجعة قاسية لما جرى.
اليوم، وبعد أن أصبحت هذه الجولة وراءنا، لا بد من النظر إلى الأمام. لا بالشعارات، بل بالقرارات:
لبنان أولًا، لا ساحةً لصراعات الآخرين
فك الارتباط بأي محور خارجي، سواء كان الولايات المتحدة أو إيران أو غيرهما
بناء دولة سيدة على كامل أراضيها
حصر السلاح بيد القوى الشرعية
وقف إطلاق النار ليس نهاية، بل فرصة. فرصة إما أن تُستثمر لبناء دولة، أو تُهدر فنعود إلى الدائرة نفسها.
وفي هذا المشهد، تبقى بنت جبيل، "أمّ المقاومة" ، شاهدًا حيًا. قد تُدمَّر الحجارة، لكن المعنى يبقى. ستبقى بنت جبيل رمزًا للصمود والعنفوان، لا كدعوة للحرب، بل كشهادة على قدرة هذا الشعب أن يصمد… وأن يعيد طرح السؤال كل مرة:
كيف نحمي كرامتنا… دون أن نخسر وطننا؟
والخلاصة الأقسى والأصدق : لا كرامة تحمى بحرب دائمة ، ولا وطن يبنى على هدنة مؤقتة .






