جوانا فرحات
المركزية - ليست حدود الوطن مجرد مساحة تُقاس بالكيلومترات، ولا خطوط تُرسم على خرائط النزاعات إلا في لبنان حيث تحولت جغرافيته إلى مصدر علاته ووجعه. ففي كل حرب تُقضم مساحات من الكيلومترات المربعة الـ 10452 و تؤطر بعنوان "احتلال". لكن الحرب التي أقحم فيها لبنان رسمت حدودا جديدة تحت عنوان الخط الأصفر بعمق يراوح الـ10 كيلومتر ويشمل 55 قرية جنوبية أعلنت إسرائيل عن سيطرتها الكاملة عليها وتمنع سكانها من العودة إليها.
إلى الخط الأصفر حددت إسرائيل الخط الرمادي الممتد من الحدود الى الليطاني على بعد 30 كلم تسيطر عليه اسرائيل بالقوة النارية مع نقاط مراقبة والخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة بين لبنان من جهة وإسرائيل وهضبة الجولان من جهة أخرى في 7 تموز عام 2000 عقب الإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.
بين هذه الألوان ضاعت حدود لبنان المعترف بها دوليا من قبل اسرائيل في اتفاقية الهدنة عام 1949. هل يكون ثمن آخر الحروب المتوقعة حدودا جديدة أم يستعيد لبنان ما قضمته حروب الآخرين على أرضه؟
" في العقيدة العسكرية الإسرائيلية يُعرف "الخط الأصفر" أنه أداة لإعادة تعريف الحدود موقتاً وربطها بشروط سياسية وعسكرية معقدة"، تقول مصادر ملمة بالملف لـ"المركزية" وتضيف" ينضم الخط الأصفر إلى سلسلة من الخطوط التاريخية التي رسمتها إسرائيل، كالخط الأخضر عام 1949، والخط الأزرق الذي حدد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، والخط الأرجواني في الجولان. إلا أن الخط الجديد يتميز بكونه أداة توسعية تهدف إلى قضم الأراضي تحت غطاء "الدفاع عن النفس" والضرورات الأمنية الموقتة".
ميدانياً، يتم ترسيم ما يعرف بالخط الأصفر عبر وضع مكعبات إسمنتية ضخمة مصبوغة باللون الأصفر، وهو لون يرمز عالمياً إلى التحذير والخطر. ويحوّل هذا الإجراء المناطق الواقعة ضمنه إلى "مناطق إطلاق نار حرة"، حيث يُمنع المدنيون من تجاوزها، مما يكرس واقعاً ديموغرافياً جديداً يعتمد على التهجير القسري. وفي هذا السياق توضح المصادر أن الخط الأصفر في جنوب لبنان يستهدف حوالى 55 بلدة وقرية تقع ضمن شريط بعمق يراوح بين 4 و10 كيلومترات على طول الحدود. مع الإشارة إلى أن حوالى20 قرية من تلك التي شملها الخط الأصفر سُويت بالأرض ولا يزال مشروع التدمير قائما وبشكل كلي في باقي القرى بهدف ضمان أمن وسلامة القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الشريط المستحدث وضمان عدم عودة السكان إليها. وتحدثت المصادر عن نية الجيش الإسرائيلي مضاعفة عدد النقاط العسكرية التي كانت محددة بـ15 إلى 20 نقطة والتوغل أكثر لتصبح المسافة حوالى 400 كيلومتر عن الحدود.
مشروع الخط الأصفر ليس جديدا إذ سبق واعتمدته إسرائيل في قطاع غزة بحسب المصادر" وقد مكن هذا الخط الجيش الإسرائيلي من السيطرة على مساحة تراوح بين 52 و60 في المئة من إجمالي مساحة القطاع. ويمتد الخط بعمق يصل إلى 7 كيلومترات في بعض المناطق، محولاً مساحات واسعة إلى حزام أمني يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومنازلهم. ووضعت حكومة إسرائيل العسكرية شرط بقاء هذا الخط بمسألة نزع سلاح حركة حماس والفصائل المسلحة الموالية لها. اما في لبنان فيستخدم كأداة ضغط لربط الانسحاب بملف سلاح حزب الله وإفراغ المنطقة من سكانها".
يربط مراقبون بين هذه الخطوط وبين رؤية "إسرائيل الكبرى"التي تتبناها تيارات اليمين المتطرف في حكومة بنيامين نتنياهو. وسبق أن صرح قادة عسكريون من بينهم رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، بأن الخط الأصفر يمثل "الحدود الجديدة"، مما يؤكد أن الأهداف تتجاوز الأمن لتصل إلى التوسع الجغرافي. لكن وفق المصادر ثمة فارق جوهري بين خطي الجنوب اللبناني وقطاع غزة" الخط الأصفر في غزة أُدرج ضمن اتفاقيات مرحلية لوقف إطلاق النار، بينما يُفرض في لبنان كقرار أحادي الجانب. وهذا التوجه يضع الدولة اللبنانية أمام تحدي السيادة، خصوصا مع تمسك الاحتلال بحق "التحرك الحر" لمواجهة ما يصفه بالتهديدات. وتكشف مضيفةً أن الجيش الإسرائيلي بدأ تشييد بنية تحتية ومواقع عسكرية دائمة ضمن نطاق الخط الأصفر في غزة مما يعزز فرضية أن إسرائيل تخطط لوجود عسكري طويل الأمد، وليس مجرد إجراءات أمنية موقتة كما يروج في المحافل الدولية ومؤشر واضح على النوايا المبيتة لإلغاء حدود العام 1967".
استمرار الوجود الإسرائيلي خلف الخط الأصفر في مفهوم الدولة يمثل خرقاً للسيادة الوطنية واتفاقات الهدنة. في حين وجد فيه حزب الله ذريعة يمنحه الحق المشروع في الاستمرار بالعمليات العسكرية حتى الانسحاب الكامل إلى ما وراء الحدود المعترف بها دولياً". أما من الناحية القانونية، والمرجعية الأساسية لا تزال قائمة على "الخط الأزرق" الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 لتأكيد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بعد احتلال دام عقوداً. وعلى رغم أن هذا الخط ليس حدوداً دولية نهائية، فإنه يشكل الإطار المعتمد دولياً، وأي محاولة لتجاوزه أو استبداله بخط جديد تفتقر إلى الشرعية الدولية" تختم المصادر.
إلى أن تتضح الصورة، يبقى الخط الأصفر المستحدث بمثابة خطة تقنية تمنح إسرائيل غطاءً عسكرياً وقانونياً أمام الرأي العام الإسرائيلي لضمان أمن حدودها الشمالية وحماية السكان. المهم أن لا يتحول "الأصفر" إلى مشروع لقضم الأراضي الذي يبدأ بذريعة الأمن وينتهي بفرض السيادة بالأمر الواقع.






