9:20 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

بين إدارة التهديد وإنهاء التهديد

كتب مروان هندي:

​يقوم المشهد الجيوسياسي في المنطقة على توزيع دقيق للمهام بين واشنطن وتل أبيب، بعيداً عن أي قراءات واهمة تراهن على إمكانية وجود شرخ عميق بين الحليفين الأميركي والإسرائيلي. وفي هذا الإطار، تتجه دولة إسرائيل نحو خيار "إنهاء التهديد" جذرياً عبر السعي لتفكيك محور الممانعة واجتثاثه من رأسه في طهران إلى أذرعه، في حين تتمسك الولايات المتحدة بسياسة "إدارة التهديد". ومن هنا جرى فصل المسارات عملياً؛ حيث تولت واشنطن ملف إيران لضبط إيقاعها واستخدام القوة كأداة ضغط لفرض تسوية صلبة وليس لإسقاط النظام، بينما سُلٌم ملف لبنان وتفكيك "حزب الله" بالكامل إلى الجهد العسكري الإسرائيلي لإنهاء خطره نهائياً.

​وتكمن أسباب اندفاع إدارة ترامب لإنجاز تسوية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في الالتزام بالمبدأ السياسي الأميركي المتعارف عليه: "كل سياسة خارجية هي سياسة داخلية - Every foreign policy is a domestic policy"؛ حيث تتلخص الدوافع والأسباب الموجبة في الحسابات التالية:

١) ​الوفاء بعهده الانتخابي بعدم الانخراط في الحروب الخارجية والتفرغ لتحسين الاقتصاد الأميركي.

٢) ​حماية أمن الطاقة العالمي لتجنب قفزات أسعار النفط، ومنع ارتداداتها التضخمية على الأسواق الأميركية.

٣) ​استيعاب التململ المتصاعد داخل قاعدة "ماغا - MAGA"؛ تحصيناً لموقع الحزب الجمهوري قبيل الانتخابات النصفية.

٤) ​الرغبة في تصفير الأزمات الخارجية لضمان استقرار الداخل بالتزامن مع استضافة مونديال 2026 والاحتفال بالذكرى الـ 250 لتأسيس أميركا.

٥) ​وقف استنزاف المقدرات الأميركية في الشرق الأوسط،والتفرغ الكامل للمواجهة الاستراتيجية والاقتصادية مع الصين.

٦) ​الاستجابة لمصالح الشركاء العرب والخليجيين الساعين لتسوية تحمي أمنهم، وتضمن نمو الشراكات والروابط الاقتصادية الضخمة مع واشنطن.

​وتضع هذه المعطيات المقاربة الأميركية في خانة "استراتيجيات الاحتواء" التي تهدف إلى تفكيك الأزمات تدريجياً عوضاً عن الصدام الشامل؛ غير أن هذا التكتيك قد يتيح للجمهورية الإسلامية الإيرانية مساحة زمنية لإعادة ترميم قدراتها، وإنعاش اقتصادها، وإعادة بناء ترسانتها العسكرية في ظروف مستقبلية قد تكون أكثر ملاءمة لها. فالتركيز على تفكيك المشروع النووي الإيراني فقط، مع غض النظر عن  الترسانة الصواريخ البالستية والمسيّرات والنفوذ الإقليمي للأذرع، يجعل من هذه التسوية معالجة مجتزأة؛ إذ لم يكن لدى الجمهورية الإسلامية قنبلة نووية منذ عام 1979، ورغم ذلك تمددت وعاست خراباً في المنطقة عبر هذه الأدوات التقليدية. وفي المحصلة، وبينما تركز واشنطن على "إدارة التهديد" انسجاماً مع أولوياتها الداخلية، تفيد الواقعية الجيوسياسية بأن استدامة الاستقرار على الأرض تتطلب الذهاب نحو "إنهاء التهديد" من جذوره وتجاوز الصيغ المؤقتة، كسبيل وحيد لحسم الصراع والوصول إلى السلام والاستقرار الحقيقي.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o