جوانا فرحات
المركزية - ماذا يجري داخل البيئة الشيعية؟ السؤال بدأ يطرح على خلفية الصدامات التي بدأت تظهر داخل بعض البلدات الشيعية في الجنوب مع عودة الأهالي إليها لترميم ما يمكن ترميمه. خلفية الصدامات اتخذت طابعا حزبيا بين مجموعات من حركة أمل وحزب الله، لكن النار بقيت تحت الرماد إلى أن تفجرت في بلدة صريفا بعد ادعاء المدعو علي برو بوجود منشآت عسكرية وأنفاق ومستودعات ذخيرة وصواريخ في البلدة. سكان البلدة ورئيس بلديتها رفعوا الصوت في وجه الإدعاءات وتولى رئيس البلدية صفة الإدعاء الشخصي على برو.
الوقائع حتى الآن تشير إلى أن ما حصل في صريفا يدل على ان "أمن" الجنوب لا يزال حكراً على سلاح حزب الله على أرض الواقع ومن خلال الدولة والجيش ظاهريا. لكن المؤشر الأبرز أن صوت "المعارضة الشيعية الشعبية" بدأ يتردد صداه وقد يصبح مدخلاً إلى إعادة تعريف العلاقة بين البيئة الشيعية والحزب.
أستاذ المواطنة في الجامعة اللبنانية والناشط السياسي الدكتور علي خليفة يعتبر أن ما حدث في صريفا وسواها من توترات غير مرئية في عدد من البلدات الجنوبية التي عاد أهلها إلى بيوتهم أو ما تبقى من أرزاقهم وجنى عمرهم "كارثي نتيجة الخيارات الخاطئة التي اتخذها حزب الله وصولاً إلى إقحام لبنان وأبناء الطائفة الشيعية في حربين لا علاقة لهما بالمصلحة اللبنانية ولا حتى بأبناء الطائفة التي تم التضحية بهم نتيجة هذه الخيارات".
أهمية ما حصل لا يكمن فقط في بلدة صريفا نفسها، بل في السؤال الذي يفتحه داخل البيئة الشيعية، حول مدى إمكانية استمرار التعايش بين مشروع عسكري حزبي واسع وبين مجتمع محلي يريد أن تكون له كلمة في ما يجري على أرضه.
في السياق، يوضح د.خليفة لـ"المركزية" أن مواقف البيئة الشيعية الرافضة يحتاج إلى الوقت ليتظهّر لكنه حتما مستمر في التصاعد وصولاً إلى تحقيق التغيير". وردا على الصدام الذي حصل بين بيئتي حزب الله وحركة أمل يقول " أن الصدام تاريخي وليس حدثا مستجداً، إذ أن ما يجمعهم لا يتعدى القرار على مستوى القيادة . عدا ذلك هناك فروقات ومصدرها الخيارات الخاطئة منها مثلا وجود مخازن أسلحة بين المدنيين أو وضع راجمات صواريخ قرب المنازل السكنية أو منشأة مدنية". ويرجح خليفة أن توصل هذه الحرب العبثية التي بدأها حزب الله إلى انقلاب أبناء الجنوب تدريجاً على الحزب ومحاسبته. ومن شأن هذا الخيار المستمر أن يؤدي إلى حلّ سلاح حزب الله ".
الأصوات الشيعية المعارضة لأداء حزب الله لم تعد مجرد نقاش سياسي يجري خارج البيئة الشيعية. فالمعطيات تشير إلى أن هذه المساحة تتغذى أساساً من ثلاثة عوامل: الحرب وتداعياتها على البيئة الجنوبية، الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، والنقاش المتصاعد حول حصرية قرار الحرب والسلم وسلاح الحزب ودور الدولة. لكن هذه المعارضة لا يمكن اختزالها في اتجاه واحد. وهذا يعني أن المعركة، إذا تطورت، لن تكون بالضرورة بين "الشيعة" والحزب، بل داخل البيئة الشيعية نفسها وهنا يُطرح السؤال: هل تمثيل الطائفة يمر حصراً عبر الثنائية الشيعية التقليدية، أم يمكن أن تظهر قوى وشخصيات شيعية متعددة الخيارات؟ ولماذا لا تزال المعارضة الشيعية خارج أطر التنظيم القيادي؟
" أسباب عديدة تجيب على هذه الأسئلة. فقبضة حزب الله على الطائفة الشيعية خصوصا واللبنانيين عموما على مدى 40 عاما لا يمكن التحرر منها بسهولة، خصوصا أنه اعتمد سياسة فرض سلطته بالقوة والعنف والسلاح والإقصاء الجسدي، ولم يسمح ببروز تيارات معارضة ويتهم كل صوت بالعمالة والتخوين. إلا أن مسألة توحيدها أو تنظيمها تحت راية حزب يرأسه قائد أو زعيم سياسي ليس بمطلب أساسي، لأن ما يجمع المعارضة الشيعية لا يُختصر بالعداء للحزب. المطلوب أن تكون هناك مكونات أخرى تجمعهم، والأهم وجود شخصيات شيعية داخل تنظيمات وأحزاب سياسية قادرة أن تخرق وتحدث تغييراً ما. وهذا يتحقق من خلال تبنّي احزاب أخرى ترشيح معارضين شيعة . وما بعد حسن نصرالله ونبيه بري سيساهم بتوفير الفرصة من خلال الزعامات التي ستتوزع على الوزارات والمجلس النيابي وليس القائد الأوحد أو الزعيم".
ويختم خليفة" التغيير الشعبي المنشود داخل الطائفة الشيعية مستمر لكن ليس بوتيرة تصاعدية فوهج السلاح سيبقى والخوف من وقف المساعدات والخدمات الإجتماعية سيؤخر عملية التغيير، لكن اليقظة من آثار النكبة التي حلت بالطائفة الشيعية نتيجة خيارات الحزب الخاطئة تحتاج إلى المزيد من الوقت. الأهم أن مشروع حزب الله على مدى أربعة عقود انتهى ".






