Jul 20, 2026 11:48 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

الفجوة الماليّة!

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

بعد عودة الكلام عنها لا بد من الإضاءة...

ليست الفجوة الماليّة مجرّد أرقام تتباعد بين الإيرادات والنفقات، ولا خللًا محاسبيًا يمكن رتقه بتعديل هنا أو ضريبة هناك. إنّها في جوهرها فجوة ثقة، وفجوة إدارة، وفجوة رؤية، تتّسع كلّما أصرّ القائمون على الشأن العام على معالجة النتائج بدل معالجة الأسباب.

تبدأ الفجوة الماليّة حين تُدار الدولة بعقلية الدكان لا بعقلية المؤسّسة، وحين تُستبدل الخطط المستدامة بحلول ترقيعيّة آنية، تُرضي اللحظة وتؤجّل الانفجار. عندها، يصبح العجز عادة، والدين خيارًا سهلًا، والمال العام مجرّد رقم قابل للتدوير السياسي، لا أمانة وطنية.

لا تنشأ الفجوة الماليّة لأن الموارد شحيحة بالضرورة، بل لأنّ إدارتها سيّئة، ولأنّ الأولويات مقلوبة. تُهدر الأموال حيث لا إنتاج، وتُقفل الصنابير حيث يجب الاستثمار، ويُكافأ الفشل باستمرارية، فيما يُقصى أصحاب الكفاءة لأنهم لا ينتمون إلى منظومة الولاءات.

الأخطر في الفجوة الماليّة أنّها لا تبقى محصورة في الخزينة. فهي تتسرّب سريعًا إلى المجتمع: فجوة بين الأجور والأسعار، بين الجهد والمردود، بين المواطن والدولة. ومع اتّساعها، تتآكل الطبقة الوسطى، وتُستنزف الفئات الأضعف، ويُدفع الشباب إمّا إلى الهجرة أو إلى اليأس.

وحين تُطرح الأسئلة الجديّة، يُقابلها البعض إمّا بالتخوين، أو بالشعارات، أو بتبسيط مخلّ يحمّل المسؤولية لعنصر واحد، فيما الحقيقة أكثر تعقيدًا وأشدّ وضوحًا: الفجوة الماليّة هي نتيجة تراكم قرارات خاطئة، وسوء إدارة مزمن، وغياب للمحاسبة، لا مؤامرة خارجيّة ولا أزمة عابرة.

ردم الفجوة الماليّة لا يبدأ من جيوب الناس، بل من إصلاح بنية القرار، ومن إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، ومن إدارة شفافة تُحاسِب قبل أن تُطالِب، وتُنتِج قبل أن تُنفِق، وتُخطّط قبل أن تستدين.

من دون ذلك، ستبقى الفجوة تتّسع، لا بين الأرقام فحسب، بل بين الوطن وأبنائه، وبين الدولة ومعناها، إلى أن يصبح الانهيار واقعًا لا تحذيرًا.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o