المركزية – في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية، يجد العراق نفسه أمام اختبار صعب بين ضغوط الخارج وانقسامات الداخل. فبين إصرار رئيس الوزراء علي الزيدي على حصر السلاح بيد الدولة ورفض الفصائل المسلحة لذلك، وبين زياراته المتوازنة إلى واشنطن وطهران، جاءت الضربات الأميركية–السعودية ضد مواقع لفصائل موالية لإيران (الحشد الشعبي) لتزيد المشهد تعقيداً، خصوصاً بعد أن ألغى الزيدي زيارته المقررة إلى السعودية.
هذا التداخل بين التحركات الدبلوماسية والضغوط العسكرية يضع العراق أمام معادلة دقيقة: كيف يحافظ على سيادته ويوازن بين القوى المتصارعة على أرضه، في وقت يسعى فيه لتثبيت دوره كوسيط إقليمي وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة؟
مصادر مطلعة على الملف العراقي تؤكد لـ"المركزية" أن الزيدي شخصية قوية ويعمل بطريقة صحيحة، سواء بدعم أميركي أو من دونه. إلا أن المؤشرات تدل على وجود دعم أميركي له في مواجهة النفوذ الإيراني، بدليل نجاحه في تشكيل حكومة وزيارته إلى واشنطن وإجراء ترتيبات مهمة، مع الإشارة إلى أنه زار أيضاً إيران حفاظاً على التوازن.
أما في ما يتعلق بالحشد الشعبي، فتشير المصادر إلى أن الولايات المتحدة استهدفت نحو عشرين عنصراً منهم. وقد أصدر الزيدي قراراً يقضي بتسليم الحشد الشعبي سلاحه قبل نهاية شهر أيلول. ورغم رفضهم المبدئي، فإن القرار مدعوم دولياً، ما يجعل تسليم السلاح أمراً محتوماً في نهاية المطاف. الحشد الشعبي يُعتبر من أبرز أدوات إيران في العراق، وهو قوي وفاعل، لكن المصالح العراقية تفرض مواجهة نفوذه، خصوصاً في ظل حملة مكافحة الفساد التي يقودها الزيدي.
وتضيف المصادر أن الفساد في العراق واسع النطاق، إذ هناك نحو 200 مليار دولار منهوبة من قبل جماعات مرتبطة بإيران. كما أن إيران تستغل العراق لتهريب نفطها والحصول على أموال العراقيين، في ممارسات مخالفة للقانون.
في السياق الإقليمي، أعلن الزيدي تجميد زيارته إلى السعودية من دون إلغائها، وذلك بسبب الأوضاع الداخلية والتوتر الناتج عن الضربة الأميركية ـ السعودية التي استهدفت الحشد الشعبي وأسفرت عن سقوط عشرين قتيلاً بينهم مستشارون إيرانيون. هذا التطور جعل زيارة السعودية في هذا التوقيت خطوة حساسة قد تُفسَّر كتحدٍّ مباشر لإيران، خصوصاً مع حجم الخسائر البشرية.
المهمة أمام الزيدي صعبة لكنها ليست مستحيلة. فهو يواجه تحديين أساسيين: حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب شعبي واسع. ومكافحة الفساد، التي بدأها بجدية، رغم أن الطريق طويل وشاق.
إن نجاحه في هذين المسارين سيعني تقليص النفوذ الإيراني في العراق وتعزيز سيادة الدولة، وهو ما يفسّر الدعم الأميركي له، تختم المصادر.






