6:31 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

العدالة الانتقائية ليست عدالة: كبش محرقة!

كتب الدكتور دريد بشراوي عبر منصة "أكس":

"ليس دفاعًا عن رياض سلامة، فأنا لست وكيله القانوني ولا تجمعني به أي علاقة شخصية، وإنما دفاعًا عن الحق والحقيقة والعدالة، وحقوق المودعين، وعن حقوق الإنسان وحق الدفاع.

لا نجادل في أن حاكم مصرف لبنان السابق يتحمل جانبًا من المسؤولية عن الانهيار المالي الذي أصاب لبنان وعن ضياع أموال المودعين، إذا ثبت ذلك أمام القضاء المختص وضمن محاكمة عادلة. لكننا نرفض اختزال أكبر كارثة مالية في تاريخ لبنان الحديث بشخص واحد، فهي كانت نتيجة سياسات مالية واقتصادية ونقدية شاركت في رسمها والموافقة عليها والاستفادة منها منظومة سياسية حكمت البلاد لأكثر من أربعة عقود وما زال معظم أركانها في مواقع السلطة.

من الناحية القانونية، لا يعمل حاكم مصرف لبنان خارج مؤسسات الدولة. فوفقًا للمادة 13 من قانون النقد والتسليف، يتمتع مصرف لبنان بالاستقلال المالي، لكنه يخضع لرقابة الدولة عملاً بأحكام هذا القانون. كما تنص المادة 71 على أن مصرف لبنان «يساعد الدولة على تأمين أساس نمو اقتصادي واجتماعي دائم»، بما يؤكد ارتباط عمله بالسياسة الاقتصادية العامة للدولة.

إن استقلال مصرف لبنان لا يعفي الحكومات المتعاقبة من مسؤولياتها الدستورية والقانونية. فالسلطة التنفيذية كانت ترسم السياسات الاقتصادية والمالية العامة، وتمارس الرقابة على المصرف، وكان لوزراء المالية دور أساسي داخل المجلس المركزي كما ينص على ذلك القانون.

وإذا كانت الحكومات تعتبر أن السياسات التي اتبعها رياض سلامة كانت خاطئة أو مدمرة، فلماذا وافقت عليها طوال سنوات؟ ولماذا لم تستخدم صلاحياتها الرقابية والقانونية؟ ولماذا جدّد مجلس الوزراء ولايته عام 2018؟ ولماذا استمرت الدولة في تمويل عجزها من خلال تلك السياسات، ثم بعد الانهيار حمّلته وحده المسؤولية؟

فكيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن مسؤولية الانهيار تقع على حاكم مصرف لبنان وحده، بينما كانت الحكومات تقر الموازنات، وتزيد الدين العام، وتوسع الإنفاق، وتمنح الامتيازات، وتستفيد من تمويل مصرف لبنان لعجزها؟ إن الدولة لم تكن ضحية لهذه السياسات فقط، بل كانت شريكًا في استمرارها والاستفادة منها، وفي الامتناع عن وقفها عندما كانت تملك الوسائل القانونية والسياسية لذلك.

ويضاف إلى ذلك خروج مئات ملايين الدولارات إلى خارج لبنان خلال المراحل الحرجة التي سبقت الانهيار أو رافقته، وسط شبهات جدية حول استفادة نافذين ومسؤولين من تحويل أموالهم إلى الخارج، فيما بقي ملايين اللبنانيين عاجزين عن الوصول إلى ودائعهم. وحتى اليوم، لم تُكشف الحقيقة كاملة ولم تشمل المحاسبة جميع المسؤولين المحتملين.

لقد قيل للبنانيين طوال سنوات إن الاقتصاد اللبناني بخير، وإن القطاع المصرفي متين، وإن النموذج المالي اللبناني يشكل قصة نجاح، في حين حظي رياض سلامة بإشادات وجوائز دولية تقديرًا لإدارته للسياسة النقدية. وفي الوقت نفسه، كانت الدولة تنفق مئات الملايين، بل مليارات الدولارات، على مشاريع أحاطت بها شبهات عديدة تتعلق بالفساد والمحسوبيات والمحاصصات، وعلى نفقات لا ترتبط بالأولويات الوطنية، من رحلات ومآدب وإقامات في الخارج، فضلًا عن رواتب وتعويضات وامتيازات لشاغلي المراكز العليا في الدولة، من مديرين عامين وضباط كبار وسفراء وغيرهم. فإذا كان هذا النموذج الذي قُدِّم للبنانيين على أنه نجاح لم يكن سوى وهم، فإن المسؤولية لا يمكن أن تُختزل بشخص واحد، بل يجب أن تطال كل من ساهم في صنع هذا الواقع، أو أقره، أو استفاد منه، أو امتنع عن مواجهته رغم امتلاكه سلطة ووسائل التدخل.

إن العدالة لا تقوم على اختيار متهم واحد وتبرئة منظومة كاملة. يجب أن تطال المحاسبة كل من يثبت ضلوعه، من حاكم مصرف لبنان إلى نوّاب الحاكم، إلى المسؤولين السياسيين من وزراء مالية ورؤساء حكومات والماليين والمصرفيين، من دون حصانة أو انتقائية.

وفي الوقت نفسه، فإن احترام حقوق الإنسان لا يتجزأ. فرياض سلامة، مهما كانت الاتهامات الموجهة إليه، يتمتع بالحق في الحياة والصحة والمعاملة الإنسانية والدفاع والمحاكمة العادلة. وإذا كانت حالته الصحية تستوجب، وفق التقارير الطبية، رعاية متخصصة وعاجلة، فإن الدولة ملزمة بتأمينها.

إن وفاة رياض سلامة، لا سمح الله، أو تدهور حالته الصحية بما يمنعه من ممارسة حقه في الدفاع والإدلاء بما لديه من معلومات، قد يحرم اللبنانيين من كشف جانب مهم من الحقيقة، ويمنح البعض فرصة للإفلات من المحاسبة.

إن لبنان لا يحتاج إلى كبش محرقة، بل إلى عدالة شاملة تكشف الحقيقة كاملة وتحاسب جميع المسؤولين عنها. فالعدالة التي تكتفي بشخص واحد ليست عدالة، بل شكل آخر من أشكال الإفلات من العقاب."

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o