12:10 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

الحماسة لا تصنع أحزابًا...

كتب العميد الركن م/د جوزف س.عبيد:

الحماسة، بحدّ ذاتها، قيمة إيجابية لا يمكن إنكارها. هي الطاقة الأولى التي تدفع الناس إلى الانخراط، وإلى الدفاع، وإلى التعبير عن القلق والخوف والرجاء. لكن الحماسة، عندما تتحوّل إلى بديل عن الوعي، وعندما تُترك بلا تثقيف سياسي ولا إطار فكري، لا تصنع أحزابًا. ما تصنعه فقط هو مشهدية عابرة، وشعارًا أجوف من نوع: «نحنا هون».

في الواقع الحزبي، وتحديدًا على المستوى المسيحي، المشكلة ليست في غياب الناس بل في غياب الفكرة. ما يُنتَج اليوم ليس أحزابًا، بل تجمّعات انفعالية، تتحرّك بالغريزة لا بالعقل، وبردّ الفعل لا بالفعل السياسي المدروس. حضور بلا مشروع، وضجيج بلا بوصلة، واندفاع لا يعرف لماذا بدأ ولا إلى أين يجب أن يصل.
الأحزاب لا تُصنع بالتبعية ولا بالاستزلام الأعمى. لا تُصنع بالتصفيق ولا بتقديس الأشخاص. الأحزاب تُبنى على فكر، على عقيدة واضحة، وعلى مشروع يُقنع قبل أن يُحرّك. ما يصنع الأحزاب هو وجود نخب حقيقية في الصفوف الأمامية: أشخاص قادرون على تشريح الحدث، فهم أسبابه، تقدير حجمه، تحديد الهدف منه، ثم رسم ردٍّ متوازن يعرف حدوده ولا ينزلق إلى الهستيريا.

هذا كله لا يحصل اليوم. جلّ ما نراه مجموعات شبابية تُنقَل من هنا إلى هناك، مفتوح لها النطق بهبلٍ سياسي مريع، بلا وعي ولا تدريب ولا مساءلة. بدل أن تكون عنصر جمع، تتحوّل إلى عامل تفكك. وبدل أن تُرمّم الشرخ، تعمّقه. وبدل أن تحمي القضية، تُسيء إليها وتُفرغها من معناها.

المسؤولية هنا مضاعفة، وتقع مباشرة على من يُمسك بزمام هذه المجموعات. المسؤول الحقيقي لا يصفّق للحماسة فقط، بل يضبطها، يثقّفها، ويعرف متى يتقدّم ومتى يتراجع. أمّا تركها سائبة، فهو قرار انتحاري يقود حتمًا إلى خسارة تلو خسارة. وعندما تتراكم الخسائر، تُستحضر الحجج الجاهزة:

هؤلاء خونة، لا أسف عليهم، العدد لا يهم.

يُقال عندها: مش مهم نكون مئة ألف أو ألف، يكفي أن يبقى من يُجيد التصفيق ويُجسّد الولاء الأعمى. بهذا المنطق، يتحوّل الحزب من إطار سياسي إلى جمهور، ومن مشروع إلى قطيع، ومن قضية إلى زعامة فردية لا تقبل الشراكة. وهنا جوهر الكارثة.

فطالما المعادلة هي: أنا أو لا أحد، لا يمكن الحديث عن أحزاب مسيحية حقيقية. الحزب الحقيقي يعيش بعد قائده، لا يموت معه. والفكرة الحقيقية تبقى حتى لو سقط حاملوها. أمّا حين تختزل السياسة بالأشخاص، والحماسة بالعصبية، والولاء بإلغاء العقل، فكل ما نفعله هو تأجيل الانهيار… لا منعه.

الحماسة وحدها لا تكفي. بل قد تكون أخطر ما في السياسة إن لم تُضبط بالعقل. لأنها، في هذه الحالة، لا تبني حزبًا… بل تُسرّع سقوطه.
أسئلة لا مفرّ منها:

١- هل يمكن للحماسة أن تتحوّل من عبء إلى عنصر بناء؟

نعم، لكن فقط عندما تُضبط بالتثقيف السياسي، وتُدرَج ضمن إطار فكري وتنظيمي واضح، يجعلها أداة في خدمة المشروع لا بديلًا عنه.

٢- لماذا يظهر هذا الخلل بحدّة داخل الأحزاب المسيحية؟

لأن الإرث السياسي المسيحي مثقل بالشخصنة والزعامة الفردية، حيث يتقدّم الولاء للأشخاص على الالتزام بالفكرة، وتُستبدل العقيدة السياسية بالعصبية.

٣- ما الخطوة الأولى الفعلية لبناء حزب حقيقي اليوم؟
إعادة الاعتبار للعقل قبل الشارع، وللفكر قبل الهتاف، وبناء نخب قيادية تُربّي القاعدة، لا تستثمر اندفاعها ثم تتبرّأ من نتائجها.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o