11:47 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

الانتظار القاتل

كتب العميد الركن م/ د جوزف س.عبيد:

في لحظات الإرباك السياسي، يتكاثر الكلام وتضيق الرؤية. يعلو صوت الاعتراض على التفاوض، ويقابله تشكيك بجدوى القوة، بينما يبقى الواقع في مكانه: أرض لم تتحرر، وأزمة لم تُحسم، وبلد يعيش بين انتظارٍ مرهق واحتمالات مفتوحة.

ليس الهدف هنا تكرار الشعارات، بل محاولة تفكيك السؤال الجوهري: ماذا لو لم يُنتج التفاوض نتيجة، ولم تحسم القوة العسكرية النتيجة أيضًا؟ هل نحن أمام انسداد كامل، أم أمام خلل في مقاربة الصراع نفسه؟

أولًا، من المهم التمييز بين “فشل التفاوض” و”غياب شروط التفاوض المنتج”. فالتفاوض ليس فعلًا قائمًا بذاته، بل هو ترجمة لميزان قوى وضغط سياسي. عندما يكون التفاوض بلا أوراق ضغط كافية، يتحول إلى إدارة واقع لا تغييره. وعندما يكون الخطاب السياسي قائمًا على رفض التفاوض من دون بديل واضح، يتحول الموقف إلى جمود لا إلى استراتيجية.

ثانيًا، في المقابل، لا تعمل القوة العسكرية كأداة حسم تلقائي. فالتاريخ لا يقدّم نماذج لتحرير أرض “بكبسة زر”، بل لمسارات طويلة تتداخل فيها الكلفة، والاستنزاف، والقدرة على الاستمرار، وتحويل الميدان إلى عامل ضغط سياسي. أي قوة لا تتحول إلى معادلة كلفة على الطرف الآخر، تبقى محدودة التأثير، وقد تتحول إلى عبء داخلي إذا فقدت أفقها السياسي.

من هنا، يبدو المشهد في كثير من الأحيان كأنه دائرة مغلقة: لا تفاوض يُنتج، ولا قوة تحسم. لكن هذا الاستنتاج، رغم وجاهته الظاهرية، يغفل عن عنصر أساسي: أن الصراعات الطويلة لا تُحسم عادة بأداة واحدة، بل بإعادة تشكيل ميزان المعادلة نفسه.

في هذا السياق، تبرز فكرة “النافذة الزمنية” أو “مواسم الضغط السياسي”. فهناك لحظات تتقاطع فيها عوامل خارجية وداخلية: استحقاقات دولية، تغيّر أولويات القوى الكبرى، أو ظروف إقليمية ضاغطة. لكن خطأ القراءة الشائع هو تحويل هذه النوافذ إلى مواعيد حتمية للحسم. فالنافذة لا تنتج نتيجة بحد ذاتها، بل تفتح هامشًا أكبر للحركة، وتزيد من حجم الاختبار بين الأطراف.

وبالتالي، لا يصبح السؤال: هل نحن متجهون حتمًا إلى تصعيد أو تسوية في فترة معينة؟ بل: هل هناك طرف قادر على استثمار هذه النافذة لتحويل ميزان الكلفة والجدوى لصالحه؟

في الواقع، ما يحدد المسار ليس التقويم، بل القدرة على فرض معادلة جديدة. فالتاريخ لا يسير وفق شهور مفصلية، بل وفق تحولات في ميزان القوى: عندما تصبح كلفة استمرار الوضع القائم أعلى من كلفة تغييره، يبدأ التحول الحقيقي، سواء عبر تفاوض مختلف، أو قوة مختلفة، أو ضغط دولي مختلف.

الخلاصة أن الإشكال ليس بين التفاوض والسلاح كخيارين متقابلين، بل في غياب منظومة قادرة على تحويل أي من الأداتين إلى نتيجة سياسية واضحة. فالتفاوض بلا قوة يصبح انتظارًا، والقوة بلا أفق تصبح استنزافًا، والانتظار بحد ذاته يتحول إلى شكل آخر من إدارة الأزمة.

وفي ظل هذا الواقع، لا يبدو أن “أيلول” أو أي محطة زمنية أخرى تحمل حتمية بحد ذاتها، بل تحمل فقط زيادة في حساسية المشهد واتساعًا في الاحتمالات. أما النتيجة، فتبقى مرهونة بقدرة الأطراف على تحويل اللحظة من مجرد انتظار إلى فعلٍ يغيّر قواعد اللعبة، لا توقيتها فقط.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o