11:14 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

الأحادية والاختزال… حين تتحوّل القيادة إلى طريق مسدود...

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

لم يكن التاريخ السياسي شاهدًا محايدًا، بل كان قاسيًا وواضحًا في حكمه: الأحزاب التي اختزلت نفسها في شخصٍ واحد لم تُعمِّر. فالأحادية في القيادة ليست تعبيرًا عن قوة، بل بداية تفكك مؤجَّل. ما من حزب قام على فرد إلا وانتهى بزواله، موتًا أو انسحابًا أو سقوطًا معنويًا، لأن الفكرة التي لا تتجاوز صاحبها تموت معه.

المشكلة لا تكمن فقط في القيادة الفردية، بل في تحويلها إلى مرجعية مطلقة، لا تُناقَش ولا تُراجَع. عندها يصبح الحزب ظلًّا، وتتحول المؤسسات إلى ديكور، ويُختزل المناضلون إلى جمهور. ومع الوقت، يُقتل النقد، ويُجرَّم الاختلاف، وتُستبدل الحيوية السياسية بالصوت الواحد. هنا تبدأ نهاية التنظيم، ولو بدا في الظاهر متماسكًا.

الأكثر خطورة أن من يكثر التحذير من الأحادية، هو غالبًا من يمارسها بأشد أشكالها. يخاطب الجماهير من موقع الواعظ، ويتجنب الوقوف أمام نفسه. ولو تجرأ لحظة على تلك المواجهة الصامتة، لأدرك أن خطابه، مهما بدا عقلانيًا، يقوده بخطى ثابتة نحو الهاوية، وأن الاختزال ليس حماية للقيادة بل انتحارًا سياسيًا مؤجّلًا.

القيادة التي لا تحتمل الشريك، ولا تقبل النقد، ولا ترى في الحزب سوى امتداد لذاتها، لا تبني تنظيمًا بل تصنع عبئًا. فالأحزاب لا تعيش بالهيبة وحدها، ولا تستمر بالشخصيات مهما بلغت قوتها، بل بالمؤسسات، وبالقدرة على التجدد، وبالإيمان بأن القرار الجماعي أكثر أمانًا من النزوة الفردية.

من دون تجبّر أو ادعاء عصمة، تبقى العودة إلى الطبيعة البشرية في القيادة هي الطريق الوحيد للإنقاذ: الاعتراف بأن القائد إنسان يخطئ، وأن التعدد قوة لا تهديد، وأن الجماعة هي الضمانة الوحيدة للاستمرارية. وما عدا ذلك، فليس سوى خطاب جميل يُلقى فوق ركامٍ يتكوّن بصمت.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o