5:02 PMClock
خاص
  • Plus
  • Minus

اتفاقية اللجنة العليا اللبنانية -السورية ... شطب فلسفة "الأخوة" و"التنسيق" وغموض حول عمل اللجان والمرجعيات التنفيذية

جوانا فرحات

المركزية – لم يكن توقيع الاتفاقية الخاصة بإنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة في 2 تموز 2026 مجرد خطوة إجرائية لتنظيم التعاون بين بيروت ودمشق، بل يمثل تحولاً سياسياً وقانونياً في طبيعة العلاقة بين البلدين، بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق عام 1991.

توقيع الاتفاقية حصل خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، حيث وقعها عن الجانب السوري، فيما وقعها عن الجانب اللبناني رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لإطلاق مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، تقوم على التعاون المؤسساتي المنظم، بعيداً من الإرث السياسي والقانوني الذي ارتبط بالمعاهدة السابقة.

اللافت ان الإتفاقية حددت أطر عملها الإداري والتنظيمي لكن من دون الدخول في التفاصيل العملية وهذا ما توقفت عنده مصادر متابعة تقول لـ"المركزية" أبرز ما يلفت في الاتفاقية الجديدة هو استبدال الهيكلية التي قامت عليها معاهدة العام 1991. إذ كانت تضم رئيسا الجمهورية ورئيسا الحكومتين في البلدين، وتملك صلاحيات واسعة في رسم السياسات العامة والإشراف على تنفيذها. أما الاتفاقية الجديدة، فتستبدل هذا الإطار بـ اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، التي يرأسها عن الجانب اللبناني رئيس مجلس الوزراء، وعن الجانب السوري وزير الخارجية والمغتربين.

ولا يقتصر الاختلاف على تغيير الاسم، بل يمتد إلى طبيعة المؤسسة نفسها. فالمجلس الأعلى كان يجسد أعلى مستوى سياسي في الدولتين، بينما تعتمد اللجنة العليا صيغة حكومية تنفيذية، ما يعكس انتقال إدارة العلاقات من مستوى القيادات العليا إلى مستوى الحكومات والأجهزة التنفيذية. وترى المصادر أن هذا التغيير يحمل دلالات سياسية، أبرزها إضفاء طابع عملي وإداري على إدارة الملفات المشتركة، بدلاً من ربطها بإطار سياسي دائم كما كان الحال في المعاهدة السابقة.

أيضا في مسألة المقارنة بين الوثيقتين، تعتبر المصادر أن ثمة تحولاً واضحاً في المبادئ الحاكمة للعلاقات الثنائية. ففي حين استندت معاهدة العام 1991 إلى مفهوم "الأخوة" و"العلاقات المميزة" بين البلدين، جاءت الاتفاقية الجديدة لتمنح مساحة أكبر للمبادئ القانونية الدولية، ونصت صراحة على احترام السيادة والاستقلال، ووحدة الأراضي، والمساواة بين الدولتين، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وتنظر إلى هذا التطور باعتباره إعادة تعريف للعلاقة اللبنانية – السورية وفق قواعد العلاقات الدولية التقليدية، بما ينسجم مع التحولات السياسية التي شهدها البلدان والمنطقة خلال العقود الماضية.

وعلى رغم هذا التحول في الفلسفة السياسية، إلا أن الإتفاقية تمنح اللجنة العليا صلاحيات واسعة تشمل رسم التوجهات العامة للعلاقات الثنائية، وإنشاء اللجان القطاعية والفنية المشتركة، والإشراف على تنفيذ القرارات، واقتراح تعديل الاتفاقيات والبروتوكولات الثنائية، واستحداث آليات أو هيئات مشتركة كلما اقتضت الحاجة. كما يشمل نطاق عمل اللجنة ملفات السياسة والدبلوماسية، والاقتصاد والمال والتجارة والاستثمار، والقضاء والأمن، والطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية، والتعليم والصحة والتحول الرقمي، فضلاً عن أي مجالات أخرى يتفق عليها الطرفان مستقبلاً، مما يعني أن اللجنة ستكون بمثابة المرجعية التنفيذية الأساسية لمعظم ملفات التعاون بين بيروت ودمشق.

في ما خص السكرتارية التي ستنشأ بموجب الاتفاقية وتضم ممثلين عن الجانبين يرى متابعون أن طبيعة مهامها من تحضير الاجتماعات، ووضع المقترحات، وتنسيق التواصل بين الإدارات الرسمية، إضافة إلى متابعة تنفيذ القرارات والتوصيات تشير إلى أن السكرتارية ستكون بمثابة الجهاز التنفيذي والإداري الدائم للجنة العليا، والمسؤولة عن متابعة الملفات بين الاجتماعات الدورية والاستثنائية. لكن الاتفاقية أهملت الإجابة عن أسئلة تتعلق بالجانب الذي يرأسها وكيفية اختيار أعضائها وعددهم ومدة ولايتهم، كما لا تحدد الجهة التي ستتولى إصدار قرارات تعيينهم. وهذا يعني من الناحية القانونية أن هذه التفاصيل ستُترك لقرارات تنفيذية لاحقة تتخذها الحكومتين اللبنانية والسورية بعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

السؤال الأكثر تداولاً منذ توقيع الاتفاقية الجديدة بين لبنان وسوريا يتعلق بمصير معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة عام 1991. هذا أيضا بقي مبهما في الإتفاقية وفق متابعين، إذ لا توجد أحكام تحدد الجهة التي ستتولى إدارة المرحلة الانتقالية، أو كيفية نقل الملفات والاختصاصات من المؤسسات السابقة إلى اللجنة العليا الجديدة، أو ما إذا كانت بعض الآليات القائمة ستستمر مؤقتاً إلى حين اكتمال بناء الهيكلية الجديدة.

وفي غياب أي نصوص انتقالية، يُرجّح أن تتولى الحكومتان، عبر رئاسة مجلس الوزراء ووزارتي الخارجية والوزارات المختصة، إدارة هذه المرحلة بصورة مباشرة إلى حين انعقاد اللجنة العليا وتشكيل سكرتاريته.

الغموض في نصوص الإتفاقية  ينسحب أيضا على مصير معاهدة 1991 إذ لا تتضمن مادة صريحة تلغي المعاهدة السابقة أو تحدد تاريخ انتهاء العمل بها. وبالتالي، فإن مجرد توقيع الاتفاقية الجديدة لا يكفي قانوناً للجزم بانتهاء مفاعيل المعاهدة السابقة، ما لم تنص المواد الختامية على الإلغاء أو الإحلال، أو تستكمل الإجراءات القانونية اللازمة لإنهائها وفق أحكام القانون الدولي.

يبقى أن التوقيع على الإتفاقية لا يعني مباشرة أعمال اللجنة لكن يُتوقع أن تنطلق بعد استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية في البلدين، ودخولها حيز التنفيذ وفق الآلية التي تنص عليها أحكامها الختامية. بعد ذلك، تُصدر الحكومتان اللبنانية والسورية القرارات اللازمة لتسمية أعضاء السكرتارية واللجان القطاعية، تمهيداً لعقد الاجتماع الأول للجنة العليا.

وتختم المصادر،صحيح أن هناك صفحة جديدة تكتب في العلاقات اللبنانية-السورية بعد تولي أحمد الشرع رئاسة الجمهورية لكن على ما يبدو لا تزال صيغة الإتفاقيات تحتاج إلى "نفضة" حتى لا تبقى الحلقة المفقودة أساس سريانها.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o