كتب العميد الركن م/د جوزف س.عبيد:
"نعزف منذ سنوات على وتر الفساد، لكن المأساة أننا لا نؤلم الفاسدين بل نؤلم الشعب. فكلما ضُرب هذا الوتر اهتزت حياة الناس أكثر، وتراجعت قدرتهم على العيش بكرامة، فيما يبقى أصحاب النفوذ بعيدين عن وقع النغمات التي صنعوها بأنفسهم.
تخيّلوا دولةً هي أشبه بفرقة موسيقية كبيرة. إذا كان أحد الأوتار فاسدًا خرج اللحن نشازًا، أما إذا كانت الأوتار كلها فاسدة، فماذا يمكن أن نسمع؟ بالتأكيد ليس موسيقى، بل ضجيجًا وفوضى وفقدانًا لأي انسجام. وعندما تصبح الإدارة فاسدة، والرقابة ضعيفة، والمحاسبة غائبة، والقرارات تُبنى على المصالح لا على المصلحة العامة، فإن النتيجة الطبيعية ليست التنمية ولا الازدهار، بل لحنٌ حزين عنوانه الهدر والعجز والديون والضرائب.
المشكلة أن السلطة، بدل أن تصلح الأوتار التالفة، تطلب من الجمهور أن يدفع ثمن الحفل مرةً بعد مرة. وكلما اختل اللحن فُرضت ضريبة جديدة، وكلما ارتفع النشاز استُحدث رسم جديد، وكأن المطلوب من المواطن أن يمول الفشل بدل أن يرى إصلاحه.
أما الحقيقة البسيطة فهي أن أجمل الألحان لا تخرج من كثرة الجباية، بل من سلامة الآلات. وكذلك الدول لا تنهض بكثرة الضرائب، بل بحسن الإدارة. فإذا كانت الأوتار كلها فاسدة، فلن يكون السؤال أي لحن سنسمع، بل إلى متى سيبقى الناس مجبرين على الاستماع إلى هذا النشاز؟"






