11:17 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

أوروبا بين الأمس واليوم...

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

من مكيافيللي إلى هوبز وروسو وتوكفيل، أنجبت أوروبا كبار المفكرين الذين بحثوا في الدولة والسلطة والسيادة، ووضعوا أسسًا مهمة لفهم طبيعة الحكم واستقرار المجتمعات.

لكن أين هم ورثة هؤلاء المفكرين اليوم؟ وأين ذهبت القدرة على استيعاب الدروس التي تركوها؟ هل غابت الاستراتيجية عن عقول صانعي القرار، أم طغت الحسابات السياسية والاقتصادية والانتخابية على الرؤية البعيدة المدى؟

نيكولو مكيافيللي، في كتابه الأمير، تناول كيفية اكتساب السلطة والمحافظة عليها، وفهم المخاطر السياسية وتقلبات الظروف. لم يكتب عن الهجرة الحديثة، لكن فكره يدفعنا إلى التساؤل: هل يستطيع الحاكم المحافظة على الدولة إذا تجاهل المخاطر التي تهدد استقرارها؟

أما توماس هوبز، فقد رأى في كتابه اللفياثان أن وجود سلطة عامة قادرة على فرض القانون شرط أساسي للأمن والاستقرار. فالدولة التي تعجز عن تطبيق قوانينها تضعف ثقة مواطنيها بمؤسساتها.

وجاء جان جاك روسو ليبحث في العقد الاجتماعي، وفي العلاقة بين الفرد والمجتمع والمصلحة العامة. ومن هنا يبرز السؤال: كيف تحافظ الدولة على التوازن بين حقوق الوافدين وحقوق مواطنيها وقدرتها على اتخاذ قرارات تحظى بالقبول العام؟

أما ألكسيس دي توكفيل، فقد درس الديمقراطية والمؤسسات والعادات المدنية، ويمكن الاستفادة من فكره في التساؤل عن قدرة المجتمعات الأوروبية على المحافظة على تماسكها وحماية حرياتها في مواجهة التحولات الاجتماعية.

إن المثل الشعبي القائل: الرزق السايب بعلّم الناس الحرام، يختصر جانبًا من المشكلة. فعندما تغيب القواعد الواضحة، ويضعف تطبيق القانون، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، لا يعود الأمر متعلقًا بكرم الدولة أو إنسانيتها، بل بقدرتها على إدارة حدودها، وضبط الدخول والإقامة، وحماية التوازن بين واجباتها تجاه مواطنيها والتزاماتها الإنسانية.

أوروبا اليوم أمام تحديات حقيقية تتعلق بالهجرة واللجوء والاندماج والأمن والتماسك الاجتماعي. لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين الهجرة النظامية، واللجوء، والدخول غير النظامي، وعدم التعامل معها وكأنها قضية واحدة.

ولا تعني الإنسانية فتح الحدود بلا ضوابط، كما لا تعني السيادة إغلاق الأبواب أمام كل محتاج. فالدولة مطالبة بحماية اللاجئ الحقيقي، واحترام كرامة الإنسان، وفي الوقت نفسه تطبيق قوانينها وحماية أمن مواطنيها واستقرار مجتمعها.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن يأتي يوم يشعر فيه أبناء أوروبا بأنهم فقدوا السيطرة على مستقبل مجتمعاتهم وأرضهم؟ إن وصول المهاجرين لا يلغي الملكية القانونية للأرض ولا يسقط المواطنة، لكن سوء إدارة الهجرة والاندماج، أو الإخفاق في تطبيق القانون، قد يفاقم التوترات ويعمّق الانقسامات ويضعف الثقة بالمؤسسات.

ومن حق المجتمعات أن تناقش مستقبل هويتها الوطنية ولغتها وثقافتها ونموذجها الاجتماعي، ومن واجب الحكومات أن تفعل ذلك بعقل استراتيجي، بعيدًا عن الإنكار من جهة، والتحريض والكراهية من جهة أخرى.
فالدولة التي لا تحسن إدارة حدودها تخاطر بإضعاف ثقة مواطنيها بها، والدولة التي تتخلى عن قيمها الإنسانية تخاطر بخسارة جزء من هويتها الأخلاقية.
أين هم استراتيجيو أوروبا اليوم؟ هل قرأوا تاريخهم جيدًا، أم أن الحسابات الآنية غلبت الرؤية الاستراتيجية؟ ربما لا تكمن المشكلة في غياب المفكرين، بل في أن أصحاب القرار لا يحوّلون المعرفة إلى سياسة، والتحذيرات إلى خطط، والقيم إلى مؤسسات فاعلة.
أوروبا ليست مطالبة بالتخلي عن إنسانيتها كي تحمي نفسها، ولا بالتخلي عن سيادتها كي تثبت إنسانيتها. إنها مطالبة بأن تعرف من تستقبل، وكيف تستقبل، وما الذي تستطيع استيعابه، وكيف تضمن احترام القانون وحقوق الجميع.

فالدولة ليست فندقًا بلا إدارة، وحدودها ليست خطوطًا مرسومة على الخرائط فحسب، والديمقراطية ليست عجزًا عن اتخاذ القرار.

أما الدرس الأهم، فهو أن الفكر الاستراتيجي لا يُقاس بما خلّفه أصحابه في الكتب، بل بقدرة الأجيال التي جاءت بعدهم على قراءة الواقع، واستشراف المخاطر، واتخاذ القرار قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات.
أوروبا التي علّمت العالم كثيرًا عن الدولة والسلطة والمجتمع، مدعوّة اليوم إلى إثبات أن تراثها الفكري لا يزال حيًّا في مؤسساتها وقراراتها، لا في مكتباتها وحدها.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o