جوانا فرحات
المركزية –خلال لقائه رئيس الجمهورية جوزاف عون في الفاتيكان، قال البابا لاوون الرابع عشر"إنّه سيكون دائمًا إلى جانب لبنان وأهله، إلى أيّ طائفة انتموا. وأكّد أنّه سيعمل لأجل ما يُحقّق تطلّعات اللبنانيين".
من البابا يوحنا بولس الثاني الذي قال: "لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة"، إلى البابا لاوون الرابع عشر الذي يواصل رفع الصوت لأجل "الشرق الرسولي"، شكّلت الإرشادات البابوية خريطة طريق للمسيحيين نحو الصمود لا الهجرة، والانخراط لا الانكماش.
وانطلاقاً من هذا البعد الروحي تأتي زيارة البابا لاوون الرابع عشر لتعيد فتح النقاش حول موقع الكنيسة المارونية ودورها التاريخي في حماية الكيان اللبناني وتعزيز الحضور المسيحي في المشرق. زيارة تحمل رمزيّة كبرى، ليس فقط على المستوى الروحي، بل أيضًا في بعدها السياسي والدبلوماسي، إذ تتقاطع مع أزمة وطنية ممتدة وتراجع في حضور المكوّن المسيحي بفعل الهجرة وفقدان الثقة بالدولة.
والسؤال الأكثر إلحاحًا الذي يطرح في ظل هذه الإشكالية، أيّ مستقبل ينتظر الوجود المسيحي وسط عواصف الصراعات والتحوّلات؟
في هذا السياق، تتوقف مصادر روحية حول الدور الذي تلعبه البطريركية المارونية وتقول"حافظت البطريركية المارونية على نبرة ثابتة تجمع بين الالتزام الكنسي والانخراط العقلاني في الشأن العام، دفاعًا عن لبنان التعددي الحرّ، ذي الوجه العربي المشرقي، لا المنعزل أو الطائفي. ولم تقتصر مواقف البطاركة على الداخل اللبناني، بل خاطبوا المجتمع الدولي والعواصم المؤثّرة، مطالبين بتحمّل مسؤولياتها تجاه حماية التنوّع الديني والثقافي في الشرق، وداعين إلى دعم مشاريع التربية، والصحة، والحوار، باعتبارها وسائل صمود لا مظاهر عزلة".
إذا أزمة المسيحيين ليست أزمة أرقام، بل أزمة دور ورؤية ورسالة. المطلوب ليس فقط الدفاع عن الوجود، بل تجديد الحضور والانخراط في مشروع الدولة، لا كطائفة بل كمكوّن تأسيسي يحمل رسالة إنسانية في التعليم، الإعلام، الاقتصاد، والمجتمع المدني. لذا، ما يُنتظر من الفاتيكان يتجاوز الطابع الاحتفالي، ليكون خطوة باتجاه دعم الكنيسة المارونية على مستويات ثلاثة: تثبيت حضورها الوطني كركن أساسي في هوية لبنان التعددية، وتأكيد دورها الجامع بعيدًا من الاصطفافات. وتفعيل الدبلوماسية الفاتيكانية مع العواصم المؤثرة لحماية خصوصية النموذج اللبناني من الانهيار، عبر التشديد على ضرورة الحفاظ على توازناته الدستورية والطائفية. وثالثاً دعم المؤسسات التربوية والاجتماعية التابعة للكنيسة، لما تمثّله من شبكة صمود للمجتمع المسيحي في مواجهة الهجرة والتراجع الاقتصادي.
وتشدد المصادر على ان العلاقة بين بكركي والكرسي الرسولي هي تاريخيًا علاقة تعاون وثقة متبادلة. وعلى رغم وجود تباين في المقاربات إلا أن الطرفين يلتقيان على قناعة بأن حماية الوجود المسيحي لا تكون بالتحصين السياسي وحده، بل بتجديد الإيمان وتعزيز الشراكة الوطنية.
توازياً ثمة نقاش عميق يدورُ حول ما يجب أن يكون عليه دورُ الكنيسة المارونية في حماية المسيحيين في لبنان، ويتركز البحثُ على فهمِ أسبابِ اندفاعِ قسمٍ من المسيحيين نحو خياراتٍ أصغر من لبنان الكبير.
إنطلاقاً من ذلك، يقول الباحث في السياسات العامة الدكتور زياد الصائغ أن "الكنائس المحلية هي دوماً الأدرى بتشخيص الواقع الوطني والروحي والإجتماعي والثقافي والسياسي للجماعة المسيحية التي ائتُمِنَت على رعايتها من الكنيسة الكاثوليكية الجامعة بكرسيِّها الرسولي في الفاتيكان، لكنّ هذه الأخيرة معنيّة بمتابعة شؤون الكنائس المحليّة، وبالتالي لا بد من التأكيد على فاعلية التنسيق بينهما، من دون أن يعني ذلك نفياً لإمكانية التمايز في بعض الخيارات التكتيّة ، إذ في الاستراتيجيا تبقى البوصلة الشهادة ليسوع المسيح بقيَم الإنجيل ، وفي صُلبها المحبّة والعدالة، وهذا يؤكد على التوافق التام بما خصّ الحضور والدور المسيحي في الشرق الأوسط ، من دون أن ننسى مندرجات الإرشاد الرسولي : رجاء جديد للبنان".
وفي ما يتعلق بالوجود المسيحي في لبنان مخاطِر وتحديات يشير الصائغ إلى أن
" حلف الأقليات، مع استدعاء الحمايات، الذي انتهجه بعضُ المسيحيين على خلاف الخيارات التاريخية القائمة على توسيع مروحة التعاون بالمواطنة الحاضنة للتنوع ، هذا الحلف انتهى بعد أن تسيّد على مدى خمسين عاماً، والمسيحيون مدعوون إلى نهضةٍ إيمانية وروحية وثقافية ، يستعيدون فيها زمام مبادرة صونَ كرامة الإنسان، وتعميم الحرية، وبناء السلام، وتحقيق العدالة ، بدل التقوقع في مشاريع انتحارية من الهويات العابرة للحدود،إلى تلك الفئوية".
أما عن زيارة البابا لاوون الرابع عشر فيشدد الصائغ على أنها "رسالة حقيقية تدعو المجتمع الدولي إلى صون هوية لبنان الحضارية، والشعب اللبناني لاستعادة دوره الرسولي كقاطرة للسلام والأمن الإقليمي والدولي، ومنصّة للحوار بين الأديان والثقافات، مع الحرية التي تبقى أساس خلق الله والإنسان".
ويستطرد الصائغ " لبنان الرسالة ليس وهماً، ولم يفشل، بل هو السلوك السياسي المارق الفاسد واللاّسيادي الذي يغتال لبنان، وفي قناعتي أنّ من يدعو إلى لبنان الصغير هو حليف اللادولة، ونقطة على السطر".
وعن دور النخب العلمانية، يشير الصائغ إلى "الحاجة لإعادة هيكلة دورها وحضورها، بالإستناد إلى إنضاج مواكبتها للتحولات الجيوسياسية لتنتقل من حالة ردة الفعل والتلقّي، إلى الفعل البنوي في مسار قيام دولة سيدة حرة عادلة مستقلة، مع إطلاق خيار إصلاح كنسي راديكالي في الحوكمة السليمة".
يبقى أن ما سبق بحسب الصائغ يقتضي "استعادة للثقة على مستوى الرؤية بين القيادة الكنسية والقيادة السياسية من ناحية ، والمواطن اللبناني خصوصاً فئة الأنتلجنسيا من ناحية أخرى، والتي يبدو أنها تُشكّك بقدرة القيادتين في انتشال الوضع المسيحي من براثن التفكك واليأس، إذ هي الأوضاع الكارثية التي تحتم مقاربات غير تقليدية، تستند إلى اللاهوت السّياقي والجذور التي حكمت في الشرق الأوسط".






