أفاد مصدر مطلع أن اجتماعاً رفيع المستوى انعقد في منتصف تموز/يوليو الجاري، جمع مسؤولين عسكريين من الجانبين السوري والأميركي، جددت فيه واشنطن مطالبها وتأكيد شروطها المشددة، لا سيما عقب محاولة الإدارة السورية برئاسة أحمد الشرع، التهرب من الانخراط في أي عمل عسكري ضد حزب الله داخل الأراضي اللبنانية.
يأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه حرب التصريحات الدولية حول مستقبل النفوذ في الشرق الأوسط، إذ برزت تساؤلات جوهرية حول طبيعة "السيناريوهات السورية" المحتملة في لبنان، عقب دعوات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس السوري أحمد الشرع، بالتدخل لتقويض نفوذ "حزب الله".
وعلى الرغم من ما تحمله هذه الدعوات من إشارات لعودة دور دمشق الإقليمي، إلا أن الكواليس السياسية والعسكرية تشير إلى صراع أعمق بين طموحات واشنطن، ومخاوف تل أبيب، وأولويات دمشق "المنهكة" من سنوات الحرب.
كواليس "اجتماع تموز": شروط أميركية ومناورة سورية
وقال المصدر إن "الاجتماع الذي عُقد في دمشق، غلب عليه حضور المسؤولين العسكريين من الطرفين، حيث طرح الجانب الأميركي على الإدارة السورية مطالب لتنفيذها، علماً أن الجانبين كانا قد توصلا سابقاً إلى تفاهم بشأنها".
وأضاف "تتعلق هذه المطالب بملف المقاتلين الأجانب، وأبرزها إقامة نظام لمراقبة المقاتلين الأجانب والجهاديين لمنعهم من شن هجمات على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية، إضافة إلى تطبيق برنامج لدمج قسد بصورة منصفة، باعتبارها شريكاً للولايات المتحدة في مكافحة تنظيم داعش لفترة طويلة". وتابع: "عادت الولايات المتحدة إلى تجديد شروطها المشددة بسبب محاولة الحكومة السورية التهرب من الانخراط عسكرياً في لبنان".
ولفت المصدر الخاص إلى أن "الحكومة السورية لم تقدم رداً على المطالب الأميركية، مفضلةً دراستها والتشاور مع الجانب التركي، إلى جانب تقديم مبادرة تتعلق بتشديد ضبط الحدود السورية - اللبنانية والسورية - العراقية، ومشاركة الجانب الأميركي عينات من تلك المصادرات، لا سيما أن شحنة الأسلحة التي كانت محملة داخل صهريج مخصص لنقل النفط احتوت على أسلحة نوعية، وبالتزامن مع تطبيق منطقتين تجريبيتين في لبنان، فإذا نجحت التجربة في لبنان سيُزاد الضغط على الحزب من الجانب السوري، أما إذا فشلت فسيُعاد التشاور بشأن آلية التدخل العسكري السوري وما يتصل بها من دعم عسكري وسياسي".
دمشق: الأبواب مفتوحة
على المستوى الرسمي، تبنى الشرع خطاباً اتسم بالحذر والتركيز على السيرة الذاتية الجديدة للدولة السورية.
وقال مسؤولون سوريون إن دمشق تعاملت مع طروحات ترامب للزج بها في مواجهة مفتوحة مع حزب الله كأمر "مستبعد وغير وارد في الحسابات الحالية"، معتبرة أن عواقبه ستكون وخيمة.
وأكدت القيادة السورية أن أولوياتها تكمن في ضبط الحدود، وتفكيك شبكات التهريب المنظم للسلاح والمخدرات، ودعم قرار الدولة اللبنانية السيادي.
وبالرغم من تقاطع المصالح مع واشنطن في نقطة تحجيم دور حزب الله الذي لعب أدواراً توصف بـ"التخريبية" في سوريا، إلا أن دمشق تصرّ على أن أبواب قصر الشعب مفتوحة لكافة الأطياف اللبنانية، مع دعوة صريحة لحزب الله لـ"الكف عن تدخلاته في سوريا واحتضانه لفلول قتلة الشعب السوري. ومع ذلك، استبعد الرئيس الشرع أي رغبات مستقبليّة للتدخل عسكرياً أو أمنياً في لبنان"، واصفاً هذه الأخبار بأنها شائعات لا أساس لها، ومشدداً على أن الجيش والشعب السوري غير مستعدين لاستنزاف قدراتهم في مستنقع خارجي جديد.
بين الضغط السياسي والشراكة الأمنية
من جهته، يرى المستشار في الشؤون السياسية سامر الصفدي أن تصريحات ترامب "تسعى بالدرجة الأولى للضغط على الحكومة اللبنانية لمعالجة ملف حزب الله، ولا تمثل دعوة لغزو عسكري مباشر".
ويضيف الصفدي أن ربط هذا الدور المحتمل بما كان يحدث في عهد النظام السابق هو قراءة غير دقيقة، فالتدخل السوري اليوم لا يعني عودة الدبابات، بل يشير إلى دور أمني واستخباراتي منسق لتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية في مواجهة الميليشيات الخارجة عن القانون، وفق تعبيره.
واعتبر الصفدي أن إحباط دمشق لعمليات تهريب أسلحة للحزب عبر الحدود العراقية هو تجسيد عملي لهذه الشراكة الأمنية المحدودة التي تخدم استقرار المنطقة.
المعضلة الإسرائيلية ومخاوف الخلفيّة الأيديولوجية
على المقلب الآخر، فتبدو إسرائيل في حالة "ارتباك استراتيجي"، فرغم رغبتها في إضعاف حزب الله، إلا أن حكومة نتنياهو تخشى من أن يؤدي التدخل السوري إلى إحياء دمشق كقوة إقليمية مؤثرة ومرتبطة بأنقرة.
وقد عبّر عن هذا الموقف وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي علق على تصريحات ترامب بقوله إن "إسرائيل ليست بحاجة إلى الرئيس أحمد الشرع في لبنان". وتنبع المخاوف الإسرائيلية من احتمالية وجود عسكري سوري متقدم على حدودها الشمالية، ناهيك عن القلق من "الخلفيات الأيديولوجية المعقدة للحكومة السورية الجديدة"، بحسب كلامه.
من جانبه، يبدو الكاتب والباحث السياسي ماهر التمران أكثر ميلاً لاستبعاد أي دور ميداني، حيث يرى أن "هناك تضخماً في الحديث عن تدخل سوري أكثر مما تحتمله الوقائع".
ويقول التمران إن رسالة ترامب موجهة لبيروت كي تستعيد قرارها الأمني، وليست لدمشق للعب دور الميداني. ويؤكد أن سوريا اليوم تدرك أن شرعيتها الجديدة تُبنى على احترام سيادة الدول وعدم العودة لسياسات النفوذ التقليدية، مشيراً إلى أن السيناريو الأقرب هو استمرار التعاون في مكافحة التهريب وحماية الحدود فقط، لأن أي تورط عسكري سيعرض دمشق لخسائر سياسية هي في غنى عنها في مرحلة إعادة الإعمار، وفق رأيه.
(موقع "المدن")






