أكد رئيس هيئة حوار الأديان محمد شعيتاني، في بيان، أن "اللقاءات والمناقشات التي تشهدها أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، بالتزامن مع أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، تكتسب أهمية استثنائية في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها العالم"، مشددًا على أن "المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز حدود البيانات والخطابات، لتصل إلى بناء مسارات عملية للسلام والحوار وحماية الإنسان".
وقال: "إن الأمم المتحدة ليست مجرد مؤسسة دولية للاجتماعات، بل هي مساحة يفترض أن تلتقي فيها إرادة الشعوب والدول من أجل منع الحروب، وحماية الكرامة الإنسانية، وترسيخ العدالة، وإيجاد الحلول السياسية للأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة".
وأشار إلى أن "عنوان الدورة الحالية، المرتبط باستعادة الثقة وإدارة التحولات، يعكس حجم التحديات التي تواجه النظام الدولي، ولا سيما في ظل الحروب والأزمات الإنسانية وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية وتزايد الانقسامات السياسية والاجتماعية. وقد شدد رئيس الجمعية العامة في مؤتمر عالمي عقد في 17 أيلول حول الحوار بين الأديان والثقافات ومواجهة خطاب الكراهية على أن الحوار والتسامح أدوات عملية للوقاية وبناء السلام، وليس مجرد شعارات".
أضاف: "من موقعنا نرى أن الحوار بين الأديان والثقافات يجب ألا يبقى في الإطار البروتوكولي أو المناسباتي، بل ينبغي أن يتحول إلى سياسة وقائية واستراتيجية دولية، لأن كثيرًا من النزاعات تبدأ بفكرة خاطئة، أو بخطاب كراهية، أو بتحريض على الآخر، ثم تتحول مع الوقت إلى انقسام اجتماعي وسياسي وربما إلى عنف". ورأى أن "الشرق الأوسط يحتاج بصورة خاصة إلى إعادة الاعتبار إلى الدبلوماسية والحوار السياسي"، مؤكدًا أن "الأمن المستدام لا يمكن أن يقوم على القوة وحدها، وأن التسويات العادلة والشاملة تبقى الطريق الأكثر قدرة على حماية الشعوب ووقف دوائر العنف". وقال: "إننا لا نريد سلامًا مؤقتًا تفرضه موازين القوة، بل سلامًا يقوم على العدالة والكرامة واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب، وعلى معالجة جذور الأزمات لا الاكتفاء بإدارة نتائجها".
ولفت إلى أن "لبنان، بحكم تجربته التاريخية وتعدده الديني والثقافي، يستطيع أن يقدم نموذجًا مختلفًا للعالم، لبنان ليس مجرد ساحة تتأثر بالأزمات الإقليمية، بل يمكن أن يكون مساحة للحوار والتلاقي بين الحضارات والأديان، وأن يستعيد دوره كجسر بين الشرق والغرب، وبين العالم العربي والمجتمع الدولي". وأضاف: "من هنا، فإن حماية لبنان واستقراره وسيادته ليست مسؤولية لبنانية فقط، بل هي أيضًا مسؤولية المجتمع الدولي، لأن انهيار نموذج التعايش في لبنان سيكون خسارة لفكرة التنوع نفسها".
وتوقف عند أهمية اللقاءات الثنائية التي تجري على هامش أعمال الجمعية العامة، معتبرًا أن "الدبلوماسية الهادئة وغير المباشرة يمكن أن تفتح أحيانًا أبوابًا تعجز عنها المواجهات العلنية"، داعيًا الدول المؤثرة إلى "الاستثمار في الحوار، والاستماع إلى الهواجس المتبادلة، وبناء جسور التواصل بدل توسيع مساحات القطيعة".
وقال: "إن اللقاءات في الأمم المتحدة يجب أن تكون بداية لمسارات جديدة، لا مجرد صور وبيانات. المطلوب أن تتحول نتائج الاجتماعات إلى مبادرات قابلة للتنفيذ في مجالات السلام، والتنمية، ومكافحة الفقر، وحماية اللاجئين والنازحين، ودعم الشباب، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف، وتعزيز التربية على الحوار".
وأكد أن "الدين لا ينبغي أن يكون جزءًا من الصراع السياسي، بل يمكن أن يكون جزءًا أساسيًا من صناعة السلام"، داعيًا المرجعيات الدينية والمؤسسات الروحية إلى "تحمل مسؤوليتها في تخفيف التوتر وبناء الثقة بين المجتمعات". وأشار إلى أن "العالم يواجه اليوم تحديات جديدة، من بينها الذكاء الاصطناعي والتضليل الرقمي وانتشار خطاب الكراهية بسرعة غير مسبوقة، وهو ما يجعل التعاون بين الحكومات والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية ضرورة، وليس خيارًا. وقد تناول مؤتمر الأمم المتحدة الأخير حول الحوار بين الأديان والثقافات تحديدًا مخاطر خطاب الكراهية ودور الحوار في الوقاية منه وبناء الثقة". وشدد على أن "السلام لا يبدأ في قاعات المؤتمرات فقط، بل يبدأ في المدرسة والجامعة والأسرة والمسجد والكنيسة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، عندما نتعلم أن الاختلاف ليس تهديدًا، وأن التنوع ليس سببًا للخوف".
وختم: "نجدد دعوتنا إلى إطلاق مسار عالمي للحوار الديني والثقافي والسياسي، تكون الأمم المتحدة إحدى منصاته الأساسية، ويهدف إلى تحويل الحوار من رد فعل على الأزمات إلى آلية دائمة للوقاية منها".






