ساهمت نتائج الانتخابات الأميركية في تغيير موازين القوى السياسية في إسرائيل. سريعاً برز التحول. تلقى بنيامين نتنياهو صفعة قوية جداً بنيل خصمه غادي أيزنكوت الأكثرية المطلقة لتشكيل الحكومة. ساهم العرب في تغيير ميزان القوى، وهم التقطوا اللحظة بكل واقعية لقطع الطريق على عودة نتنياهو. ومن انعكاسات نتائج الانتخابات الأميركية انسحاب حزب يهيدوت هتوراه من التسمية، وهو الذي كان يقف في صف نتنياهو. تضرر ترامب من دعمه العلني لنتنياهو، كما أن الأخير قد تضرر من هذا الدعم بعد هزيمة ترامب. في ظل الانقلابين اللذين تعيشهما أميركا وإسرائيل، تبقى الأسئلة مفتوحة على احتمالات عديدة للمستقبل. ثمة صمت يخيم على العالم، بانتظار استفاقة نتنياهو وترامب من الصدمة.
صراع بين الجمهوريين
بحسب المعلومات، منذ يوم الثلاثاء قطعت الإدارة الأميركية التواصل مع إيران ومع المفاوضين، ولم يسجل أي مسار تفاوضي جديد. بينما أدخل الاكتساح الذي حققه الديمقراطيون الجمهوريين في صراعات داخلية كثيرة، كان أبرزها خطوة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الاستباقية في توجيه نقد لاذع للسياسات، وخصوصاً الحرب على إيران ودعم إسرائيل. وبعد ذلك بأربع وعشرين ساعة، جاء تسريب وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو أنّه يفكّر في الاستقالة تحضيراً لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويعكس هذا، جانباً من التنافس بين الرجلين.
كسب الوقت من جديد
ذهب كثر إلى تحميل فانس مسؤولية التأثير على ترامب في التردد بعدم حسم الحرب، والرهان على المفاوضات. ويعتبر هؤلاء أن الإيرانيين عرفوا كيف يستفيدون من مسار التفاوض لتمرير الوقت وعدم منح ترامب أي مكسب، ما أدى إلى خسارته. أما مؤيدو فانس، فقد حمّلوا ترامب ووزير الخارجية والدفاع مسؤولية الهزيمة بسبب خياراتهم الحربية والدعم المطلق لإسرائيل. هذه الخلافات مستمرة داخل البيت الأبيض وفي مكتب الأمن القومي، بين من يؤيد خيار الذهاب إلى الحرب الموسعة للتعويض عن الخسارة، ومن يؤيد التفاوض والوصول إلى اتفاق. أصحاب خيار الحرب يعتبرون أن التفاوض ستستثمره إيران مجدداً ريثما يتسلم الكونغرس الجديد مهامه، من خلال تعطيل خيارات ترامب في الذهاب إلى الحرب الواسعة، والعودة إلى ممارسة سياسة كسب الوقت من الآن وحتى الانتخابات الرئاسية.
في هذا السياق، تكشف مصادر أميركية أن التباين في الآراء لا يزال عند ثلاثة خيارات: الأول هو خيار الحرب، وسط انقسام وعدم التوافق بشأنه. الخيار الثاني هو التفاوض للوصول إلى اتفاق، ولكن الكثير من المسؤولين الأميركيين يعتبرون أن ايران ستتشدد وأي اتفاق سيكون في صالحها. أما الخيار الثالث فهو استمرار الحصار المشدد، والتفكير لاحقاً بإمكان شن ضربة محدودة وموضعية تسهم في تغيير موازين القوى. لكن لا أحد قادر على حسم نتيجة الحصار أو نتيجة الضربة، كما أن من غير المعروف ما هو المدى الزمني الذي سيستمر عليه هذا الحصار، وإذا كانت إيران سترضخ لهذا الواقع، إضافة إلى أن دول المنطقة والعالم لن تكون قادرة على استمرار حالة اللاحرب واللاسلم هذه إلى فترة طويلة.
تكثيف الوساطات
أمام الصمت الأميركي، وغياب المعلومات عن أي مفاوضات أو اتصالات، كانت إيران تكثف من تحركاتها، وكذلك الوسطاء ودول المنطقة. فاتسعت مروحة الاتصالات الإقليمية التي أجراها وزير الخارجية الإيراني بعدد من وزراء خارجية الدول العربية وتركيا وباكستان وقبرص. بحسب المعلومات، فإن هذه النقاشات بحثت في ملفات عديدة، منها إمكان تقديم تصور مشترك لإنهاء الحرب، وخلق نقاط تفاهم جديدة يمكن من خلالها إقناع الأميركيين بالموافقة على الاتفاق. ولم تقتصر المشاورات على ذلك، بل إن عراقجي استمر في إيصال رسائل التهديد بتوجيه ضربات في حال تعرضت إيران لعملية عسكرية. بعض المصادر تشير إلى أن زيارة رضائي كان هدفها مناقشة مضمون رسالة فانس السابقة، والتي حملت في مضامينها مقترحات حول الملف النووي، وسط معلومات عن إبداء إيران الاستعداد لتقديم تنازل في هذا المجال، من دون إغفال أن روسيا هي الدولة المقترحة لنقل اليورانيوم العالي التخصيب إليها، فيما يتمسك الإيرانيون بحقهم في مواصلة التخصيب ولكن بنسبة منخفضة. وهذا لا ينفصل عن التحرك القطري الذي تكثف في الأيام الماضية، وتحديداً يومي الأحد والاثنين، في سبيل تحقيق تقدم في مسار التفاوض وتجنب الحرب.
ما بعد الحرب
في الموازاة، برزت زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي لروسيا ولقاؤه الرئيس فلاديمير بوتين وتسليمه رسالة سريعة من المرشد مجتبى خامنئي. وبعد اللقاء تحدث رضائي عن البحث في كيفية إنهاء الحرب والمرحلة التي تليها، كما أشار إلى أن روسيا ستساعد إيران على وقف الحرب. في المقابل كان بعض وسائل الاعلام الإسرائيلية يسرّب أن إيران طلبت من روسيا الحصول على مساعدات عسكرية، وقد حصلت عليها. وفي حال صح هذا الخبر فهو يعني أن بوتين قرر التقدم خطوة على طريقته في إطار إيصال الرسائل للأميركيين، وللديمقراطيين بالتحديد الذين يعارضون موقف ترامب بشأن الحرب الروسية الأوكرانية وبشأن اتفاقه مع موسكو.
حرب أم لا حرب؟
تقف المنطقة كما العالم أمام سؤال واحد: ماذا سيفعل ترامب ونتنياهو في إطار الردّ على الهزيمة؟
هنا تنقسم الآراء أيضاً، بين من يعتبر أن الرجلين سيذهبان إلى خيار الحرب، وأن ترامب لا يمكنه التراجع أو التنازل أمام إيران، وأن الانسحاب من دون تحقيق الهدف أو الذهاب باتجاه اتفاق يصب في صالح طهران سيعني هزيمة لأميركا، وهو ما لا يمكن للأميركيين تحمله، سواء كانوا جمهوريين أم ديمقراطيين، وبين من يعتبر أن ترامب لم يعد قادراً على شن الحرب، ولا نتنياهو سيفعل من دونه، كما أن أي حرب لن تكون مضمونة النتائج، ما يعني أن أميركا ستمنى بهزيمة جديدة في حال شنت حربها الثالثة على إيران خلال أقل من سنتين ولم تنجح في تغيير الوقائع أو إسقاط النظام أو دفع إيران الى الاستسلام.
أي حرب ستندلع، ستكون حرباً جنونية ومجنونة في تداعياتها، لا سيما في ضوء التهديدات الإيرانية بتنفيذ ردود موسعة ضدّ كل دول المنطقة، وتدمير مرافق حيوية وبنى تحتية ومحطات طاقة ونفط وتحلية مياه وشبكات الاتصالات والإنترنت. وهذا يعني حرباً تدميرية تطال دول المنطقة ككل، وهو ما لن يكون في صالح أحد. انطلاقاً من ذلك تبرز المساعي التي تقودها دول عربية وإقليمية في سبيل البحث عن سبل لوقف الحرب وإنهائها كلياً باتفاق شامل وكبير.
إنها فرصة للدول العربية يمكنها أن تستثمر فيها لتغيير الوقائع. يمكن للعرب المراكمة على ما صنعه الناخب العربي في الانتخابات الإسرائيلية، وما صنعه العرب والمهاجرون الآخرون في الولايات المتحدة الأميركية، لأجل الاضطلاع بدور أكبر على مستوى إنهاء الحرب في المنطقة، والوصول إلى صيغة تفاهم لتجنب الدمار العميم وحماية الدول لمصالحها، ووضع حد لمشروع التوسع والتغول الذي كان يعمل عليه نتنياهو بدعم ترامب.
ماذا عن لبنان؟
في لبنان، انقسمت الآراء والتقييمات أيضاً لما بعد نتائج الانتخابات. فهناك من يعتبر أنه لم يعد أمام ترامب ونتنياهو إلا خيار الحرب لتغيير الوقائع، بينما آخرون اعتبروا أن الحرب ابتعدت ولا بد من البحث عن مرحلة جديدة، يكون فيها ترامب ضعيفاً، ونتنياهو خارج الحكم. فيسعى هؤلاء إلى الضغط لأجل الانسحاب من مسار التفاوض أو من اتفاق الإطار الذي لم ينجح حتى الآن، ولا تبدو الدولة قادرة على تطبيقه، فيما هناك من يطرح العودة إلى اتفاقية تشرين 2024، مستعيداً في ذلك الكلام الأخير للمبعوث الأميركي السابق إلى لبنان آموس هوكشتاين الذي نجح في تجربتي ترسيم الحدود البحرية، ووقف إطلاق النار.
ملف السلاح سيبقى مطروحاً
البعض في لبنان، كما في العالم العربي، يعتبر أن هذه الانتخابات يمكنها أن تسهم في تغيير الوقائع، وأن تضع مساراً جديداً لكيفية التعاطي مع الملفات، خصوصاً ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات والعمليات. ولكن ما يجمع عليه كثر هو أن ملف السلاح سيبقى مطروحاً، وأي حل سيكون مرتبطاً بكيفية معالجة ملف السلاح، وهو ما أخذ دفعاً من خلال بيان سفارات الدول الخمس، اميركا، بريطانيا، كندا، استراليا واليابان، والذي شددت فيه على ضرورة مواصلة التحقيقات في قضية ضهر البيدر وعلى مسألة حصر السلاح. هنا أيضاً، يذهب كثر بعيداً في الأحلام أو التمنيات، على قاعدة أن العرب كانوا ينتظرون هزيمة نتنياهو وخروجه من المعادلة للذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل والدخول في اتفاقات السلام، مقابل الانسحاب من سوريا أو الوصول إلى اتفاق معها، والتراجع عن الإجراءات التي اتخذها نتنياهو ومتشددوه في الضفة الغربية. لكن هذا المسار لا يزال يبدو بعيداً، ولا بد له أن يمرّ في محطات كثيرة ومطبات كبيرة وصدامات في إطار إعادة خلق الترتيبات التي ستكون المنطقة مقبلة عليها.
منير الربيع - المدن






