6:17 AMClock
صحف
  • Plus
  • Minus

من نيويورك إلى واشنطن وبرعاية سعودية.. رئيس الحكومة أعاد صياغة قواعد التفاوض

شهدت الكواليس السياسية في كل من نيويورك وواشنطن حراكاً مكثفاً أعاد وضع الملف اللبناني على رأس جدول اهتمامات القوى الإقليمية والدولية. ولم تكن مروحة اللقاءات المكثفة التي عقدها رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مجرد نشاط بروتوكولي عابر على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل جاءت نتيجة مسار دبلوماسي مصمّم بعناية للربط بين الغطاء العربي والدعم الدولي لمؤسسات الدولة اللبنانية.

وفي خلفية هذا الحراك الدبلوماسي المتشابك، برز الدور الفاعل والمحوري للدبلوماسية السعودية؛ حيث لعب كل من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والمستشار المعني بالمتابعة التفصيلية للشأن اللبناني الأمير يزيد بن فرحان، دوراً رئيساً في تهيئة البيئة السياسية وهندسة شبكة الاتصالات التي سبقت ورافقت الزيارة إلى واشنطن.

• محطة نيويورك.. صياغة الغطاء العربي الشرعي

بدأت رسم معالم هذه الاستراتيجية الدبلوماسية في نيويورك قبل الانتقال إلى العاصمة الأميركية. هناك، أجرى نواف سلام سلسلة من المشاورات واللقاءات الرفيعة، وفي مقدمتها الاجتماع المفصلي مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، بحضور الأمير يزيد بن فرحان (وجوده الى جانب وزير الخارجية يشي الى ايلاء المملكة لبنان اهتماماً خاصاً خلال فعاليات الجمعية العامة)، حيث شَكّل نقطة الانطلاق الأساسية لضبط الإيقاع السياسي للحركة اللبنانية. وتتلخص الأهمية الاستراتيجية لهذا اللقاء في عدة أبعاد رئيسية:

-تثبيت المرجعية الرسمية: تأكيد العواصم العربية، وفي مقدمتها الرياض، على أن الحكومة اللبنانية الشرعية برئاسة سلام هي العاطف السياسي والجهة التفاوضية الوحيدة الممثلة للدولة والسيادة الوطنية في التفاوض حول أي ترتيبات أمنية أو أطر سياسية متعلقة بالجنوب.

-التنسيق عالي المستوى: إظهار حجم الاهتمام التفصيلي الذي توليه الدلوماسية السعودية الأمير بالملف اللبناني، عبر متابعة دقيقة لمقتضيات استقرار لبنان ومُقتضيات تعزيز المؤسسات الدستورية والعسكرية.

-تأمين شبكة أمان عربية: توفير الغطاء العربي المطلوب قبل الدخول في مفاوضات معقدة مع الإدارة الأميركية، مما منح الجانب اللبناني موقفاً تفاوضياً أكثر قوة وتماسكاً.

• شبكة الاتصالات المتقاطعة في واشنطن

بعد صياغة معالم التفاهم والغطاء السياسي في نيويورك، انتقل الثقل الدبلوماسي إلى العاصمة الأميركية واشنطن. وهنا تجلت الهندسة الدبلوماسية السعودية في أبهى صورها عبر تزامن وتقاطع التحركات داخل أروقة القرار الأميركي.

ففي الوقت الذي كان فيه نواف سلام يعقد اجتماعه في مقر وزارة الخارجية الأميركية، شهدت العاصمة واشنطن حركة مكثفة تجسدت في اللقاء الذي جمع أيضاً وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في اليوم نفسه.

ورغم الحرص الدبلوماسي على ألا يُفهم من هذا التزامن وجود تفاوض مباشر أو نيابة عن الدولة اللبنانية، إلا أن التقاطع بين اللقاءين يعكس وجود شبكة اتصالات متكاملة ومتقاطعة حول ملفات المنطقة، وفي قلبها الملف اللبناني. فالخط الدبلوماسي الذي ارتسمت معالمه بدا واضحاً:

-التواصل والتشاور بين سلام والأمير فيصل بن فرحان في نيويورك.

-المباحثات الرسمية بين سلام وماركو روبيو في واشنطن.

-اللقاء والتنسيق الدبلوماسي الشامل بين الأمير فيصل بن فرحان وماركو روبيو.

هذا التقاطع أظهر بوضوح أن التحرك اللبناني لا يتم في معزل عن بيئته العربية، بل يتحرك ضمن دائرة اهتمام وتنسيق واسع النطاق تضطلع فيه الرياض بدور المحرك والمشجع لحضور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.

• مرتكزات الموقف العربي في هندسة الاتصالات

إن القراءة لبصمات الدبلوماسية السعودية في هذه الجولة تؤكد أن الرياض لا تتدخل في التفاصيل الفنية المباشرة للتفاوض الميداني اللبناني ـ الإسرائيلي، لكنها ترسم الحدود السياسية والأطر المبدئية التي تُحاط بها الدولة اللبنانية.

وترتكز هذه الهندسة الدبلوماسية على ثلاث أولويات استراتيجية:

-أولوية حصرية السلاح وسيادة الدولة: التأكيد المستمر على أن استقرار لبنان الناجز لا يمكن أن يتحقق إلا بتدعيم مؤسسات الدولة الشرعية، وبسط سلطة القانون والقوات المسلحة على كافة الأراضي اللبنانية.

-دعم الجيش اللبناني: ترسيخ القناعة لدى مراكز القرار الدولية، وفي مقدمتها واشنطن، بأن الجيش هو العمود الفقري لأي ترتيبات أمنية قادمة، وأن مقومات نجاحه تتطلب دعماً دولياً وإقليمياً شاملاً ومستداماً.

-تحصين الموقف التفاوضي اللبناني: منع الاستفراد بالإدارة اللبنانية في أي تسويات أمنية، والتأكيد على أن أي مسار إقليمي ينبغي أن يحترم السيادة والشرعية الدستورية.

• أبعاد المروحة الدبلوماسية ونتائجها السياسية

أسهمت المروحة الواسعة من اللقاءات التي عقدها سلام، والمدعومة بالتحرك السعودي النشط، في إعادة رسم حدود التعامل الدولي مع الملف اللبناني. فمن خلال هذه المشاورات، لم يعد رئيس الحكومة يُنظر إليه كطرف يبحث عن حلول مجزأة تحت الضغط، بل كقيادة رسمية تمتلك رؤية مدعومة عربياً لاستعادة الاستقرار.

وقد تجسد هذا التحول في إعادة توجيه النقاشات داخل أروقة الأمم المتحدة وواشنطن نحو تمكين الدولة ومؤسساتها، وإبراز الحاجة إلى دور أميركي أكثر توازناً وجدية في الضغط على كافة الأطراف.

• خلاصة المسار الدبلوماسي

لقد أثبتت الجولة الممتدة من نيويورك إلى واشنطن أن الحراك الدبلوماسي عندما يستند إلى تخطيط محكم وغطاء عربي صلب، يستطيع تغيير قواعد التعامل السياسي. إن البصمات الواضحة التي تركتها الدبلوماسية السعودية شكلت صمام أمان نجح في حماية المسار السيادي للحكومة اللبنانية.

لقد فتحت هذه الهندسة الدبلوماسية الأبواب في واشنطن لترجمة المطالب اللبنانية، ووضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه دعم الدولة وجيشها الوطني في مواجهة التحديات الميدانية والسياسية المقبلة.

زياد سامي عيتاني - اللواء

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o