بدأت ميليشيا حزب الله باعتماد "حرب العصابات" ضد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، في محاولة لتكوين تموضعات جديدة، بعد استنزاف مواقعها ومخازن ذخائر ضخمة لها في عدة قرى.
جاء ذلك بعد فقدان حزب الله التموضع العسكري الاستراتيجي الأهم أمام إسرائيل، بعد سقوط تلة علي الطاهر، التي كانت رهانًا كبيرًا في يد الميليشيا، لربط مواقع التنظيم والإمساك بجانب من السيطرة في الجنوب، وتهديد شمال إسرائيل.
وتجلى هذا التحول في عملية زرع وتفجير عبوة ناسفة استهدفت آلية هندسية إسرائيلية في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان، لترفع القوات الإسرائيلية درجة التأهب والاستنفار وتوفر غطاء ناريًّا ضد أي عمليات أخرى للميليشيا، مع شن غارات وهجمات استهدفت البنية التحتية ومواقع الاستطلاع لحزب الله في عدة مناطق بالجنوب.
وأكد ساسة وعسكريون لبنانيون، لـ"إرم نيوز"، أن ميليشيا حزب الله بمثل هذه العمليات تحاول إنتاج صورة ادعاء "المقاومة" التي عملت على وضع نفسها فيها أمام الشارع اللبناني قبل عام 2000، ولكن انكشف مغزاها في السنوات الأخيرة، وذلك في ظل غضب الرأي العام تجاهها بعد أن أعطت الذرائع لإسرائيل لحربها في الجنوب ونزوح الأهالي، في ظل تنفيذها مهمة الوكالة للنظام الإيراني.
ووضع هذا الحادث، إمكانية تحول المنطقة الأمنية بالجنوب من حزام ناري ضد التنظيم إلى ساحة استنزاف لإسرائيل، ولا سيما أن تل أبيب أكدت في وقت سابق، أنها "طهّرت" هذه المواقع وأنهت وجود حزب الله فيها.
ويؤكد الخبير العسكري اللبناني، العميد متقاعد سعيد القزح، أن مثل هذا الحادث بتسلل عناصر من حزب الله داخل المنطقة الأمنية التي تفرضها إسرائيل في الجنوب، والقيام بزرع عبوة ناسفة، أمرًا طبيعيًا خاصة في الوضعية العسكرية بين التنظيم في الجنوب وإسرائيل.
وأضاف القزح، لـ"إرم نيوز"، أنه مهما كانت إجراءات الحيطة والتأمين من إسرائيل، فإن مثل هذه العمليات قائمة، ولا سيما لإثبات حزب الله وجوده العسكري، وقد ينتج عن ذلك تصعيد من تل أبيب في مناطق أخرى بالجنوب، لمنع تحرك هذه المجموعات وتكرار تلك العمليات مرة أخرى.
واستكمل بالقول إن مثل هذا الحادث منتظر، في الوقت الذي لا يستطيع أي جيش في العالم، اتخاذ إجراءات احترازية دائرية 360 درجة في مناطق أمنية يدشنها، دون أن يكون هناك أي مجال للخرق أمام إدراك عناصر حزب الله طبيعة مسالك ودروب هذه المناطق والتسلل لزرع عبوات ناسفة أو القيام بعمليات برية خاطفة ضد القوات الإسرائيلية المتواجدة.
ولكن احتمالية التسلل وزرع اللغم ليست قائمة بنسبة 100%، حيث من الممكن، وفق القزح، أن تكون هذه العبوة قديمة العهد، وتم تفخيخها من جانب التنظيم قبل الانسحاب من هذه المناطق، وانفجرت الآن عند احتكاك القوات الإسرائيلية بها عند التحرك في المنطقة الأمنية، أو تفجيرها عن بعد من جانب عناصر الاستطلاع لحزب الله.
وأشار القزح إلى أن هذا النوع من العمليات كان قائمًا ومعتمدًا عليه وقت الاحتلال الإسرائيلي للجنوب قبل عام 2000، وقد يعكس توجه حزب الله لاعتماد حرب العصابات في الفترة المقبلة تجاه المنطقة الأمنية التي أقامتها إسرائيل.
فيما يقول السياسي اللبناني الدكتور زياد ضاهر، إن حزب الله بعدما قدم الذرائع لإسرائيل لتحويل الجنوب لمنطقة عمليات عسكرية ونزوح الأهالي حتى أصبحوا بدون مأوى والغضب المصاحب لذلك، يحاول إعادة إنتاج تجربة 1990 إلى 2000، عندما كان يقدم نفسه على أنه نموذج "المقاومة" التي تسعى لتحرير الأرض.
ولكن هذا النموذج لم يعد الوسيلة القادرة على "دغدغة" مشاعر اللبنانيين وادعاء "المقاومة" كما كان قبل ربع قرن؛ لأن حزب الله هو من أوصل الجنوب إلى هذا الوضع تنفيذًا للأجندة الإيرانية، وفق ضاهر.
وأوضح أن محاولة حزب الله في تقديم دور "المقاوم" أمام اللبنانيين، بالقيام بعمليات زرع متفجرات في المنطقة الأمنية التي حددتها تل أبيب بالجنوب، لم تعد الورقة المؤثرة في الرأي العام، لأنه هو من قدم لإسرائيل الذرائع، ولا سيما أنه صاحب نظرية عدم أهمية الجغرافيا؛ مما تسبب في سقوط القرى وإخراج الأهالي من بلداتهم.
وتابع ضاهر بالقول إن حزب الله كان يقاتل في الجنوب في مراحل سابقة معتمدًا على بيئة حاضنة لبنانية مؤيدة لمقاومة إسرائيل، أما اليوم فقد خسر ذلك بعد كل النكسات التي تسبب فيها، وذلك في الوقت الذي بات فيه لبنان أمام شكل جديد من التخادم بين الطرفين، حيث يستفيد المحتل من وجود من يدعون مقاومته.
ولفت إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستثمر ذلك في السياسة الداخلية الإسرائيلية ودعمه في انتخابات الكنيست، فيما يستخدم حزب الله هذا الاحتلال لتشريع سلاحه ودوره ويسعى لتمديد هذه الحالة إلى أن تتغير التوازنات الإقليمية أملًا في فرص إنقاذ مرتبطة بمصير إيران في الحرب القائمة.
وخلص إلى أن الكلفة العسكرية منخفضة جدًّا على الاحتلال الإسرائيلي الآن، وما كان يتم تسويقها على أنها "مقاومة"، لا تؤثر اليوم في شيء بل تستغلها تل أبيب لتبرير ضرباته بعد أن فتح له حزب الله كل الطرق للاحتلال والسيطرة على الجنوب وجعله منطقة أشباح بدون حياة والتخلص من سكانها.






