جوانا فرحات
المركزية – عندما استيقظ العالم فجر السابع من تشرين الأول 2023 على مشاهد عملية طوفان الأقصى بدا واضحا أن الحروب بصيغتها وسرديتها القديمة انتهت، وأن حروبا جديدة وُلدت في الشرق الأوسط الذي انتقل من حروب الوكلاء والرسائل غير المباشرة إلى المواجهة المفتوحة بين الدول والتنظيمات.
الحدث الذي بدأ بهجوم "حماس" على جنوب إسرائيل تحول خلال 3 اعوام إلى سلسلة من الحروب المتداخلة، امتدت من غزة إلى لبنان واليمن والعراق وسوريا، وصولاً إلى المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران. لكن المرحلة الأكثر خطورة كانت في السنة الحالية عندما انتقلت المواجهة من شبكة التنظيمات المرتبطة بإيران إلى حرب مباشرة واسعة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، وانعكست مجدداً على لبنان مع دخول "حزب الله" للمرة الثانية حرب إسناد جديدة في آذار 2026 انتقاما لمقتل خامنئي.
السفير الأسبق هشام حمدان وفي قراءة لمسار التحولات العسكرية والاستراتيجية منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول 2023 يقول لـ"المركزية" أن "عملية طوفان الأقصى شكلت الفرصة الذهبية التي انتظرتها إسرائيل لانهاء حركة حماس. و لطالما راهنت إسرائيل على دور قادة حماس ومن يدعمهم للقيام بأعمال متهورة لاستعادة عقارب الساعة إلى الخلف وتصحيح الخطأ التاريخي في السياسة العربية عندما رفض العرب القبول بقرار التقسيم عام 1948 وقيام الدولة العربية آنذاك. في حينه، رفض عبد الناصر وعدد من القادة العرب نصيحة الرئيس التونسي الراحل بورقيبة باعتماد مبدأ خذ وطالب ، اي القبول بقرار التقسيم والمطالبة بالاعتراف بالدولة العربية كدولة فلسطين ".
" ما حصل في تشرين الأول 2023 شكل اللحظة الحاسمة في بدايات عملية القضاء على الأنظمة والأحزاب العربية والإسلامية الرافضة بقبول كيان اسرائيلي في المنطقة والدفع لإزالة إسرائيل عن الخارطة". ويضيف "تدمير غزة والقضاء على حماس كان بداية الطريق ، تبعه إنهاء نظام بشار الاسد ونظام البعث في سوريا والذي كان آخر نظام عربي يرفع شعار التصدي والصمود وقيادة ما يسمى مقاومة ضد إسرائيل. وجاءت لاحقا حرب الاسناد فتحولت معركة اسرائيل من الحرب على حماس إلى حرب على حزب الله".
عند هذه النقطة يتوقف حمدان ويقول" حرب الأسناد التي قام بها حزب الله بقرار إيراني جعل لبنان ساحة جديدة تعمل اسرائيل على تحويلها الى غزة ثانية بغية تصفية حزب الله بعد تصفية حماس". ويشير الى أن هذه الحرب مستمرة لعدة أسباب ابرزها أن حزب الله هو جزء من قوة اقليمية وينتشر في أكثر من بلد عربي، يحمل ايديولوجيا ترفض الاعتراف بدولة اسرائيل، وهذه الأيديولوجيا ليست سياسية وجغرافية فحسب بل هي دينية وأكثر تمددا في المحيط البشري المدني . وثانيا
انه موجود بقوة في العاصمة نفسها وفي مواقع عديدة على مساحة لبنان، وينشط داخل دولة لها حقوقها السيادية وعضو مؤسس في الامم المتحدة كما يحظى بدعم إقليمي من خلال ايران ومؤسساته التي أقامها في مناطق دولية عديدة ولا سيما في أميركا اللاتينية وأفريقيا .وعليه، فإن الحرب ضد حزب الله ومهما أدت الى خراب ودمار لن تقتلع جذوره ما لم تقتلع جذور النظام الأيديولوجي الذي يحركه والموجود في مفهوم ولاية الفقيه في ايران. إنطلاقاً مما تقدم أتوقع أن لا نهاية لمعاناة لبنان ما لم تحسم المعركة ضد ايران".
"الحرب التي بدأت في غزة حولت مسار السؤال من "كيف يحمي لبنان نفسه" إلى "من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان"؟ تقول مصادر متابعة لتطورات الحرب الإسرائيلية -الأميركية على إيران. وتوضح" قبل العام 2023 كان سلاح "حزب الله" موضوعاً داخلياً خلافياً يمكن تأجيله تحت عناوين المقاومة و الردع وتوازن القوى. بعد حرب إسناد غزة أصبح السلاح جزءاً مباشراً من المفاوضات حول مستقبل الدولة اللبنانية وعلاقتها بإسرائيل والولايات المتحدة والمجتمع الدولي. ولم يعد الضغط على الحزب لنزع سلاحه مجرد مطلب سياسي لبناني، بل أصبح مرتبطاً بالترتيبات الأمنية على الحدود ومستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل. وفي 2026 تبنّت الحكومة اللبنانية سياسة تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة، فيما أصبح نزع سلاح الحزب أحد الملفات الأساسية في المفاوضات".
وفي قراءة لنتائج هذه الحرب تقول المصادر، أن إيران خسرت جزءاً مهماً من البيئة الإقليمية التي بنتها طيلة عقود بدءا بمحور المقاومة الذي لم يعد يعمل بالترابط نفسه، مروراً بحركة حماس التي تلقت ضربة قاسية، وصولاً إلى حزب الله الذي فقد جزءاً كبيراً من قدراته وقيادته، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا الذي قطع الطريق على الممر الاستراتيجي في عملية نقل السلاح والخبرات من إيران إلى لبنان. لكن نفوذ طهران لم يختف وكذلك التهديد الذي تمثله إيران بالنسبة إلى إسرائيل، وسلاح "حزب الله" لا يزال في لبنان،لذلك، فإن القراءة الأبعد من 7 تشرين الأول ليست أن حرباً انتهت وأخرى بدأت، بل أن قواعد اللعبة القديمة انتهت من دون أن تولد نظاماً إقليمياً مستقراً".






