المركزية – بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ينصب اهتمام هيئة تحرير الشام، التي قادت معركة الإطاحة بالنظام، على الحفاظ على تماسك الدولة وبسط سيطرتها على كافة أنحاء البلاد. إلا أنها ليست الطرف المسلح الوحيد على الساحة، دون الحديث عن القواعد العسكرية والقوات الأجنبية، ومنها "قسد" (قوات سوريا الديمقراطية)، التي تنشط في المناطق الكردية في شمال شرق سوريا، وتأسست في سنة 2015 بدعم من واشنطن لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وتسيطر "قسد" على مساحات واسعة في المناطق ذات الأغلبية الكردية على الحدود مع تركيا، لكنها لم تشارك في معركة الإطاحة بالأسد، كما أنها لا تُعدّ حليفا لقوات "هيئة تحرير الشام" باعتبارها معارضة للتيار الإسلامي وتطالب بـ"سوريا علمانية" تمنح الحكم الذاتي للأكراد. فما مصير "قسد" وهل يتحقق حلمها بإنشاء منطقة حكم ذاتي؟
المحلل السياسي خالد العزي يؤكد لـ"المركزية" ان "سوريا أمام مرحلة جديدة، وهناك تنسيق أميركي – تركي من أجل استتباب الأمن فيها ولاحقاً في مناطق توترات أخرى في الشرق الأوسط. ويعلم الاميركيون ان التعامل مع الأكراد يكون بطريقة دقيقة جداً، لأن التوجه الأميركي يهدف إلى انخراطهم في الدولة السورية وليس الذهاب نحو فتح مشكلة تؤدي إلى قلب الطاولة على رأس الأكراد في سوريا تحديداً، لأن دورهم في الاساس كان محاربة داعش، وبالتالي عندما تنتهي هذه المهمة ينتهي دورهم، إلا أن السيطرة على السلاح سيكون عائقا يجب معرفة كيفية التعامل معه".
ويشير العزي الى ان "الإدارة الذاتية لا يمكن ان تتحقق بهذه السهولة، أولاً لأن هذه المناطق جغرافياً ليست كردية بحت وإنما تضم أكثرية من العشائر العربية، تضاف إليها مشكلة شمال وغرب الفرات. فقد ينضم الأكراد والأحزاب المتواجدة شمال الفرات إلى الإدارة الذاتية، أما غرب الفرات فتضم أحزاباً إرهابية كحزب العمال الكردستاني المرتبط بالمخابرات السورية والايرانية، وحزب الاتحاد الكردستاني السوري وهو صورة مصغرة عن حزب العمال، وحماية الأشاوس. ثلاثة فرق تشكل خطرا على الأكراد وعلى الامن القومي الكردي، ولذلك لن توافق تركيا على إبقاء الأكراد في خاصرة تشكل لهم هذه الأحزاب ثغرة"، لافتاً إلى ان مشكلة تركيا ليست مع الأكراد لأن علاقة أنقرة بهم مميزة، بل مع الحزب الكردستاني الذي سيطر بشكل عام على الأكراد ونقل المعركة من جبال القنديل نحو الارض السورية. كما ان هناك مجموعات عربية في الحسكة والقامشلي ومجموعات سريانية لن توالي الإدارة الذاتية في ظل سوريا الجديدة والدعم الدولي الذي تحظى به. وبالتالي سوف تشعل أزمة جديدة بين العرب والعشائر والاكراد.
ويضيف العزي: "شهدنا احتفالات في كافة أنحاء سوريا، لكن الأكراد منعوها، تحت حجة انهم احتفلوا منذ 12 عاماً عندما حرروا الأرض من النظام السوري، لكن الاميركيين أجبروا الإدارة الذاتية على رفع العلم السوري الجديد وهذا يعني أنهم يستخدمون الأكراد تحت إطار الدفاع ومحاربة داعش وفي الوقت عينه يؤمنون حماية لهم لكن ليس على حساب الانقسام وبناء دولة. وأكبر دليل ما حصل في العراق، عندما فرض الاميركيون نوعا من تقسيم وأعطوا الأكراد شبه حكم ذاتي لكنهم حاولوا استغلال مرحلة معينة لإعلان حكم ذاتي واستقلالي، إلا ان الاميركيين هم أنفسهم منعوا ذلك بعدم دعمهم لهذا القرار".
ويرى العزي ان "القضية معقدة بانتظار كيف ستدير سوريا المرحلة الجديدة، لأنها ليست مبنية على قاعدة ان هيئة تحرير الشام هي من تدير المرحلة للعديد من الاسباب، لكنها مرحلة انتقالية قد تستمر لسنتين ويشارك فيها الجميع. هذه المرحلة هي التي تحدد طبيعة خطاب المعارضة ونوعيته والتعامل مع الأقليات"، معتبرا ان "تحرير الشام فصيل منضبط، أبدى استعداده للتعاون وعمله مميز، هل هذا يستمر؟ هذا رهان المرحلة القادمة".
ويتابع: "يجب ان يطالب أكراد سوريا باسترجاع ما حرموا منه في أيام نظام الاسد كاللغة والثقافة والاماكن، من دون إدارة ذاتية، كما ان السلاح يجب ان يكون بيد الجيش الوطني السوري الذي ستشرف عليه تركيا ودول غربية. الاميركيون لن يسمحوا للأكراد بالذهاب في مغامرة قد تقضي عليهم وعلى مشاريعهم نتيجة ارتباط حزب العمال بالمخابرات الروسية والايرانية، والتي سيدفع ثمنها الشعب الكردي"، لافتاً إلى أن الكثير من الاحزاب الكردية غير راضية عن ممارسات شعب قنديل، كما ان الرقة والحسكة لن تسمحا أن تحكمهما شخصيات من جبال قنديل هربوا من الإشكالية مع تركيا، او ان تصبح المنطقة السورية معقلاً لمجموعة كبيرة من الأكراد المتطرفين، لأن ذلك سيدفع بالاتراك الى توجيه ضربات قاسية لا يستطيع التحالف الدولي او واشنطن الوقوف بوجهها".
ويضيف: "التوجه الاميركي خاصة للرئيس الاميركي دونالد ترامب هو نحو بناء سلام. هذا السلام يعتمد على بناء الدول وليس الدويلات داخل الدول، لذا مسألة الانفصال بالنسبة للأكراد أصبحت بعيدة جدا ولا يوجد توافق حولها، خاصة في ظل الدور التركي الجديد المتوافق مع الاميركيين. ترامب تربطه علاقة جيدة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتنسيق بينهما أدى الى ضبط هذه الفصائل وقدم نموذجا مميزا في التعاطي مع الاقليات والقوميات".
ويختم العزي: "علينا انتظار كيف ستدير اميركا العلاقة في ترتيب المنطقة وكيف ستتعامل مع تركيا الحليف المميز الذي أعطى قدرات في ضبط الوضع السوري. الوضع دقيق، لأن الذهاب نحو حرب او تقسيم لن يكون لمصلحة الاكراد او الاميركيين. وبالتالي، فإن الاكراد اليوم في موقف صعب، فإما ان يتخلوا عن قادة جبل قنديل ويذهبوا للتحاور مع السوريين من خلال تأمين حوافز وشروط جديدة لإقامة الدولة والمواطنة الجديدة وخاصة ان الاقوى هو من يفرض شروطه دائماً، والاكراد ليسوا كذلك . وبالتالي لا زال الوضع الكردي بالنسبة لسوريا دقيقاً وتتم معالجته من قبل جراح ماهر يحاول ألا يترك في قطبه أي آثارات لاحقة تنعكس على العلاقة في المنطقة أو على الحليف التركي".






