8:41 AMClock
أبرز الأحداث
  • Plus
  • Minus

لبنان 2045: يجب ألّا يفاجئنا السلام ونحن بلا مشروع

كتب أنطوان منسى: 

يمرّ لبنان بمرحلة من أصعب المراحل في تاريخه. فالسلاح الخارج عن سلطة الدولة، والوجود العسكري الأجنبي على أراضيه، والتوترات الإقليمية، وتداعيات الانهيار الاقتصادي والمالي، تشكّل تحديات تعرقل نهوضه وتضع مستقبله أمام امتحان مصيري.

‎ولا يمكن تصوّر إعادة إعمار مستدامة من دون استعادة السيادة، وتوفير الأمن، وقيام مؤسسات قادرة على تحمّل مسؤولياتها. ولكن، هل علينا انتظار حلّ جميع هذه الأزمات حتى نبدأ بالتحضير للمستقبل؟

‎بالتأكيد لا. فلا يجوز أن يأتي السلام ويجدنا من دون مشروع جاهز للنهوض بلبنان.

‎يشهد العالم اضطرابات وتحولات عميقة تتجاوز الشرق الأوسط. وحتى الدول الصديقة، ولا سيما دول الخليج العربي التي تربطنا بها علاقات تاريخية وأخوية راسخة، تواجه تحدياتها وأولوياتها الخاصة.

‎لذلك، لا يستطيع لبنان أن يبني مستقبله على انتظار المساعدات الخارجية وحدها. عليه أن يعتمد أولاً على موارده وكفاءاته، وعلى الطاقات الهائلة التي يمتلكها أبناؤه المنتشرون في العالم.

‎وهذا لا يعني الاستغناء عن شركائنا العرب والدوليين، بل أن نكون أصحاب المبادرة، فنقدّم إليهم برامج جدّية ومؤسسات موثوقة ومشاريع مدروسة تستحق الاستثمار.

‎فالدعم الخارجي يجب أن يواكب نهوضنا، لا أن يحلّ محلّ مسؤوليتنا عنه.

‎من «نعم نستطيع» إلى «رؤية لبنان 2045»
‎هذه القناعة شكّلت أحد دوافع المؤتمرات الاقتصادية الدولية «YES WE CAN – نعم نستطيع»، التي نُظّمت لثلاث سنوات متتالية في جامعة بيروت العربية بطرابلس، بمبادرة من جمعية HALFA، «رجال الأعمال اللبنانيين في فرنسا»، وبالتعاون مع شركاء جامعيين واقتصاديين ومؤسساتيين.
‎وقد عُقدت الدورة الثالثة يومَي 26 و27 أيار 2025، برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، ممثّلاً في الافتتاح بوزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي.

‎وشهد المؤتمر مشاركة عدد من الوزراء، إلى جانب جامعيين ورجال أعمال وممثلين عن الانتشار اللبناني، حيث أُثيرت ملفات أربعة مرافق استراتيجية في شمال لبنان عانى بعضها التعثّر طوال عقود: مرفأ طرابلس، ومعرض رشيد كرامي الدولي، والمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، ومطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات.

‎وقد أتاح حضور الوزراء وإصغاؤهم المباشر مناقشة هذه الملفات بروح عملية. وبعد أسابيع من المؤتمر، شهد بعضها خطوات حكومية ملموسة، من بينها متابعة ملف مطار القليعات وتعيين مجلس إدارة جديد لمعرض رشيد كرامي الدولي خلال صيف 2025.

‎ولا يجوز نسب هذه القرارات إلى مؤتمر واحد، فهي ثمرة جهود رسمية ومهنية متعددة. غير أن تتابعها يبرز أهمية الحوار بين الدولة وأصحاب الاختصاص والجامعيين والانتشار اللبناني، فيما تواصل الفرق المعنية العمل لتحويل القرارات إلى إنجازات.
‎وهذه هي ثقافة الإصغاء والعمل والنتائج التي يحتاج لبنان إلى تعميمها.

‎ومن أبرز المشاركين في هذه المؤتمرات الدكتور كميل الجبيلي، الذي أسهمت أفكاره حول التنمية والثقة والقيادة في بلورة طموح وطني أوسع.

‎وفي امتداد هذه اللقاءات والنقاشات، تبلورت مبادرته «رؤية لبنان 2045»، بمشاركة مواطنين لبنانيين من مختلف المكوّنات ومن الانتشار، يجمعهم الولاء للبنان، والكفاءة والنزاهة وروح البناء، والتفاؤل بالمستقبل والاستعداد للعمل.

‎إنها رؤية تتجاوز الأشخاص والمصالح الفردية والحسابات الحزبية والطائفية، وتسعى إلى ألّا يبقى مستقبل الأجيال رهينة أزمات الحاضر والفساد والانقسامات.

‎وتنطلق من قناعة بأن لبنان لا يُعاد بناؤه بالأموال وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الإنسان اللبناني، وتعزيز المواطنة والثقة والمسؤولية والأخلاق والشفافية وثقافة الإنجاز والمحاسبة.

‎من الرؤية إلى التنفيذ
‎وفي إطار هذه الرؤية البعيدة المدى، يمكن اقتراح خطة عملية قريبة المدى للنهوض الاقتصادي والمالي، بأهداف مرحلية واضحة ومصادر تمويل محددة، يبدأ التحضير لها منذ اليوم، من دون انتظار التسوية النهائية للأزمات الإقليمية.

‎وتقوم على ثلاث أولويات:
‎أولاً: استعادة صدقية الدولة ومؤسساتها.
‎تبقى التوجهات الوطنية الكبرى من مسؤولية السلطة السياسية، أما تنفيذ المشاريع وإدارة المرافق فيجب أن يُعهدا إلى أصحاب الكفاءة والخبرة، بعيداً عن المحاصصة والتدخلات الحزبية، ووفق معايير شفافة للمساءلة والنتائج.
‎ويمكن دراسة إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، شرط تحديد صلاحياتها وتمويلها وآليات الرقابة عليها، حتى لا تصبح مؤسسة إضافية بلا فاعلية.

‎ثانياً: إعادة بناء القطاع المصرفي واستعادة ثقة المودعين.
‎لا يمكن للاقتصاد أن يتعافى من دون معالجة الأزمة المصرفية وتحديد المسؤوليات المالية للدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية.
‎ولا بدّ من دراسة موجبات الدولة تجاه مصرف لبنان، ولا سيما في ضوء المادة 113 من قانون النقد والتسليف، ووضع برنامج واقعي ومموّل لمعالجة حقوق المودعين واسترداد ودائعهم، مع تحديد مصادر التمويل والمراحل الزمنية.
‎فإعادة الهيكلة لا تتحقق بمجرد إصدار القوانين. إنها تحتاج إلى موارد حقيقية وجواب واضح عن السؤال الأساسي:
‎من أين سنأتي بالأموال اللازمة؟

‎ثالثاً: إعداد مشاريع اقتصادية قابلة للتنفيذ.
‎تحتاج قطاعات الكهرباء والمياه والنقل والزراعة والصناعة والتعليم المهني والتكنولوجيا إلى برامج مدروسة وموازنات واضحة ومهل تنفيذ محددة ورقابة مستقلة.

‎ويمكن للانتشار اللبناني أن يؤدي دوراً محورياً، ليس فقط عبر الاستثمار، بل أيضاً بنقل الخبرات وإقامة الشراكات وفتح الأسواق أمام الإنتاج اللبناني.

‎غير أن إعادة الإعمار لا تقتصر على المباني والبنى التحتية. فالأولوية أيضاً لخلق فرص العمل، ودعم المؤسسات المنتجة، والحدّ من هجرة الشباب، والاستثمار في التعليم والتأهيل وبناء المواطن المسؤول.

‎ويجب أن يكون هذا المشروع وطنياً جامعاً، يشمل جميع المناطق والمكوّنات، بعيداً عن أي احتكار سياسي أو فئوي.

‎تبقى السيادة والأمن والاستقرار شروطاً أساسية للنهوض المستدام. لكن لا شيء يمنعنا من إعداد الإصلاحات وتجهيز الفرق المتخصصة والمشاريع منذ الآن، تمهيداً لتنفيذها عندما تسمح الظروف.

‎قد لا نملك وحدنا قرار تحديد موعد عودة السلام، لكننا نملك قرار الاستعداد له، حتى لا يفاجئنا ونحن غير جاهزين.

‎فلبنان لا يزال يمتلك النساء والرجال والكفاءات القادرة على النهوض به. وما يحتاج إليه هو تنظيم هذه القدرات وتوحيد الجهود، بدلاً من الاستمرار في انتظار الحلول من الخارج.

‎فلنعتمد أولاً على أنفسنا، ولننظّم قوانا، ولا نُضع السنوات المقبلة في انتظار المستقبل. بل لنبدأ من اليوم بالتحضير له.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o