6:13 AMClock
صحف
  • Plus
  • Minus

لبنان في الأمم المتحدة: بداية الخروج من جحيم الحرب إلى رحاب الدولة؟

على وقع النار الإسرائيلية التي ما زالت تنهش الجنوب، وفيما تتنازع المنطقة صراعات المحاور وحروب النفوذ، دخل رئيس الحكومة نواف سلام إلى قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة حاملاً صوت لبنان من تحت الركام، لا ليستجدي عطف المجتمع الدولي، ولا ليكرر خطاب الشكوى التقليدي، بل ليقول إن هذا البلد المنهك قرر استعادة نفسه ودولته وقراره.

ومن على أرفع منبر دولي، رسم سلام حدود المرحلة المقبلة بوضوح: لا عودة إلى لبنان الساحة، ولا قبول بأن يبقى أمن اللبنانيين ورقةً في أيدي الآخرين، ولا شرعية لأي قرار يتجاوز مؤسسات الدولة.

لقد تحوّلت مشاركة سلام في أعمال الجمعية العامة إلى حملة دبلوماسية واسعة أعادت لبنان، ولو لأيام، إلى دائرة الاهتمام العربي والدولي، في لحظة هي من أكثر لحظات تاريخه الحديث دقة وخطورة.

فعدد اللقاءات التي عقدها، وتنوع مستوياتها بين رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية ومسؤولين أمميين، عكسا حضوراً لبنانياً مميزاً، وأظهرا أن بيروت قادرة، متى امتلكت خطاباً واضحاً وموقفاً موحداً، على استعادة دورها وحجز مكانها في الاجتماعات الكبرى، بدلاً من البقاء مجرد ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين وصراعاتهم.

التقى سلام مسؤولين عرباً وأجانب، من الكويت والإمارات ومصر وسوريا والعراق وباكستان، إلى إسبانيا ورومانيا وروسيا وإيران، فضلاً عن كبار مسؤولي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. كما شارك في القمة الأميركية متعددة الأطراف، وترأس اجتماع «ما بعد الأزمات»، واضعاً أمام المجتمع الدولي مجموعة ملفات مترابطة: وقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي، ودعم الجيش، وتفادي الفراغ بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، واستكمال الإصلاحات الاقتصادية والمالية.

لكن كثافة الاجتماعات، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الزيارة. القيمة الحقيقية تكمن في وحدة الرسالة التي حملها رئيس الحكومة إلى محاوريه، وفي قدرته على تقديم رؤية لبنانية واحدة متماسكة لا تتبدل باختلاف العواصم والأطراف، حيث تحدث بلغة الدولة، لا بمنطق المحاور، ووضع المصلحة اللبنانية فوق كل الحسابات الإقليمية.

أما خطابه أمام الجمعية العامة، فيمكن اعتباره خريطة طريق متكاملة لإخراج لبنان من جحيم الحرب وإعادته إلى سكة الأمن والاستقرار. فقد حدد ثلاثة تحديات مصيرية: استعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم، واستعادة القرار الوطني، واستعادة كامل الأرض المحتلة. واختصر هذه الرؤية بمعادلة شديدة الوضوح: «ثقة تُبنى، وقرار يُستعاد، وأرض تُحرَّر». هذه المعادلة لا تفصل الإصلاح الاقتصادي عن السيادة، ولا العدالة عن الاستقرار، ولا استعادة الأرض عن استعادة سلطة الدولة.

وكان سلام حاسماً حين أكد أن الدولة اللبنانية وحدها تتحدث باسم لبنان وتتولى التفاوض عنه. وهذه ليست عبارة عابرة، بل إعلان صريح عن انتهاء مرحلة كانت قرارات البلاد المصيرية تُتخذ فيها خارج مؤسساتها، أو تُربط بمفاوضات وصفقات إقليمية لا يملك اللبنانيون أي تأثير فيها.

كما شدد على أن السيادة لا تتجزأ: فهي تقتضي انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها والإفراج عن الأسرى، مثلما تقتضي بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها. وبهذا التوازن الوطني والعقلاني، قطع الطريق على محاولات استخدام الاحتلال ذريعة لاستمرار السلاح خارج الشرعية، كما رفض أن تتحول المطالبة بسيادة الدولة إلى تجاهل للاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.

أما الرسالة الأكثر دلالة، فجاءت خلال لقائه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بحضور وزيري الخارجية يوسف رجي وعباس عراقجي. فقد أكد أن لبنان دفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره واقتصاده، وأنه لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل. وفي الوقت نفسه، عبّر عن رغبة لبنان في فتح صفحة جديدة مع إيران وإقامة أفضل العلاقات معها، ولكن «من دولة إلى دولة»، وعلى أساس احترام السيادة والاستقلال، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة.

إنها الصيغة الطبيعية التي يجب أن تحكم العلاقات بين الدول. لبنان لا يريد العداء مع إيران، ولا الانخراط في  سياسة المحاور ضدها، لكنه في المقابل لن يستطيع بعد اليوم تحمّل علاقة تمرُّ عبر تنظيم مسلح، أو تتجاوز مؤسساته الشرعية، أو تتعامل مع أرضه وشعبه باعتبارهما ورقةً في مفاوضات الآخرين.

الواقع أن الفرصة المتاحة أمام لبنان ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. لذلك يجب إلتقاطها والإثبات للعالم أن زمن الدولة قد بدأ فعلاً. وبإنتظار نتائج المحادثات مع وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو اليوم، فإن ما قيل في نيويورك يجب أن يتحول إلى قرار في بيروت: لا أحد يتحدث باسم لبنان إلا دولته، ولا أحد يفاوض عنه إلا مؤسساته، ولا سلاح ولا قرار حرب وسلم خارج شرعيته. عندها فقط لا تكون مشاركة نواف سلام في الامم المتحدة محطة دبلوماسية ناجحة وحسب، بل بداية الخروج الحقيقي من جحيم الحرب إلى رحاب الدولة.

صلاح سلام - اللواء

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o