ارتياحٌ وارتيابٌ، اهتمامٌ وهمومٌ، تَرَقُّبٌ وتَقَرُّبٌ… مناخاتٌ مُتعاكِسَةٌ تَعايَشَتْ في بيروت مع ارتسام سياسةِ «العصا والجزرة» الأميركية في محاكاة الواقعِ اللبناني وما تَعتبره الولايات المتحدة الملف «رقم واحد» فيه، أي تفكيك البنيان العسكري والمالي الذي يُتيح لـ «حزب الله» نفوذاً «أخطبوطياً» في الداخل وأدواراً «حربية» نيابةً عن إيران وفي خدمةِ أجندتها للتوسّع أو «البقاء».
وفيما كان القلقُ يسود بيروت بإزاء عدم تَبَلُّغها حتى الساعة الموعدَ الرسمي لجولة المفاوضاتِ العسكرية اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة المرتقبة «نظرياً» في تامبا – فلوريدا بين 20 و22 الجاري، وسط إشارةٍ ما بين الضوءيْن البرتقالي والأحمر من السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الذي ربط تأكيد الموعد بـ «شرطٍ» يجب تَوافُره قبْلها، تلقّى لبنان بترحيبٍ كبير «هدية» الرئيس دونالد ترامب بالرفْع الرسمي للقيود المفروضة على السفر الجوي بين بلاد الأرز والولايات المتحدة، ما يمهّد الطريقَ أمام استئناف الرحلات الجوية المباشرة في المستقبل بعد انقطاع مستمرّ منذ 1985 وخطف طائرة twa.
ورغم أن هذا القرار سَحَبَ المرتكزَ الرئاسي لهذه القيود ليبقى استئناف الرحلات فعلياً رَهْنَ مسار متدرّج يتطلب أشهراً لاكتمال الموافقات التشغيلية وإرساء آلية تَحَقُّقٍ أميركية متعدّدة الطبقة لضمان أعلى درجات الأمن والأمان في مطار رفيق الحريري الدولي، إلا أنّ توقيتَ خطوة ترامب التي شكّلت ترجمةً لإعلان النيات الذي كان أطلقه خلال لقائه الرئيس جوزاف عون في البيت الأبيض في 21 يوليو، والتي جاءت بعد أيام من اجتماع الرئيس نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، يؤشر إلى أن الولايات المتحدة تَمْضي في محاولة تزويد الدولة اللبنانية بمزيدٍ من أدواتِ «تسويقِ» قوة الدبلوماسية وقدرتها على تحقيقِ نتائج ملموسة، والأهمّ توفير «جهوزية» أرضيةِ التعافي الشامل في «اليوم التالي» لقفل جبهة لبنان وإنهاء ملف سلاح «حزب الله».
وإذ عبّر (الجمعة) الناطق باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت عن هذا البُعد بإعلانه أن ثمة محادثات تجريها واشنطن مع شركائها في الخليج وأوروبا لتأمين مليارات الدولارات لإعادة الإعمار، مشيراً إلى أن توفير هذه الأموال يعتمد إلى حد كبير على نزع السلاح، فإنّ هذا الاحتضانَ «المشروط» من واشنطن يسير جنباً إلى جنب مع «العصا» التي تلوّح بها على خلفيةِ ملف ترسانة حزب الله ووضعيته خارج الشرعية، وذلك وفق المعطيات التي توافرت من الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة عن تَشَدُّدٍ لجهةِ انتظار ترجمةِ تعهدات الدولة اللبنانية في ما خص هذا الملف وتلميحٍ إلى عقوبات «على الطريق» من الخزانة الأميركية تتّصل بكل ما له علاقة بتمكينِ الحزب عسكرياً ومالياً واجتماعياً.
ولم يَحجب قرارُ رفع القيود على السفر الجوي إلى بلاد الأرز ومنها، والذي وُصف بأنه بمثابة «تأشيرةِ عودةٍ» ثابتة لواشنطن إلى لبنان ورعايةٍ دائمة لواقعه، الترقُّبَ الكبير لجولة المفاوضات العسكرية المفترّضة في تامبا، وسط اعتقادٍ أن «التقرُّب» المتزايد الذي يُظْهِره الرئيس الأميركي لبيروت يعمّق المسؤوليةَ على الرئيس عون وحكومة سلام لالتقاط هذه الفرصة غير المسبوقة التي تولي فيها الولايات المتحدة هذا المستوى من الرعايةِ للوطن الصغير، وسط اعتبار أوسط مطلعة أن بيد مسؤوليه ألا يتحوّل الاهتمام العالي الأميركي بالملف اللبناني «هَمّاً» إضافياً، وذلك عبر تفعيل قرارات حَصْرِ السلاح بيد الدولة وتفادي أيّ رماديةٍ في الموقف والمقاربات.
وترى هذه المصادر أنّ كلام السفير الأميركي عن عدم تأكيد موعد جولة تامبا وأن ثمة شرطاً مازال يُعمل على توفيره، يؤشّر إلى أنّ واشنطن تترجم موقفَها الداعي إلى «أفعال لا أقوال»، وسط اعتقادٍ أن النقطة التي يمكن أن تُحْدِث اختراقاً تتمثّل في إرساء تَزامُن بين جدولين زمنيين متوازيين، للانسحاب الإسرائيلي من «المنطقة الأمنية» ولسحْب سلاح «حزب الله» مِن كل الأراضي اللبنانية، مع التفاهم على آلية تَحَقُّقٍ متعددة الجنسية، وخشيةٍ من أن يُعتبر أي اجتماع تفاوضي جديد لا يَخرج بنتائج ويدور في الحلقة المفرغة لجهة توسيع «المناطق التجريبية» وبقاء الضبابية حيال السلاح خارج جنوب الليطاني بمثابة إشارةٍ سلبية برسم كل مسار التفاوض والاتفاق الإطار الثلاثي الموقع بين بيروت تل أبيب وواشنطن في 26 يونيو الماضي.
ويسود ارتيابٌ في لبنان، الذي أعلن رئيس جمهوريته غامزاً من قناة «حزب الله»، أن المطلوب «التضحية من أجل لبنان وليس به»، من أن تُحَوِّل إسرائيل أي تأجيلٍ لجولة تامبا (لِما بعد انتخابات الكنيست والانتخابات النصفية الأميركية) فسحةً لمزيد من التوغلات العسكرية، في ظل مؤشر خطير شكله استئناف الغارات، بعد طول امتناع، على البقاع حيث استهدفت مسيّرة (الجمعة) سيارة جيب في بلدة حوش السيد علي في الهرمل قرب الحدود اللبنانية السورية وأطلقت عليها صاروخاً من دون إصابتها. وقد أعلنت وزارة الصحة أن هذا الاعتداء أدى إلى إصابة 6 أشخاص بينهم 5 سوريين من ضمنهم سيدتان إضافة إلى جريح لبناني.
ولم يقلّ دلالة أن تنفّذ إسرائيل غارة جديدة، على بلدة طلوسة (قضاء مرجعيون)، وسط خشيةٍ من أن تكون العمليات المكثفة في القرى الحدودية الواقعة جنوب الليطاني (مثل طلوسة، وحولا، وبني حيان)، مرتبطة بتحركات محتملة نحو مناطق شمال النهر (كإقليم التفاح وجبل ريحان)، وذلك بعد أن يتم تأمين الأودية والممرات الطبيعية (مثل وادي السلوقي القريب) التي تربط العمق اللبناني بالحافة الأمامية للحدود وتالياً تمهيد الطريق لـ «حماية ظهر» القوات المتوغلة إذا تحدّدت الساعة صفر للتعامل مع الجبهات الأكثر عمقاً.
وكان لبنان الرسمي تلقى بارتياحٍ شديد توقيع ترامب القرار الرئاسي رقم 2026-25، الموقّع في 30 سبتمبر 2026 والمنشور في السجل الفيدرالي في 5 أكتوبر، والذي ألغيت بموجبه وبالكامل القيود الأميركية المفروضة منذ عقود على الطيران من لبنان وإليه بموجب القرارات الصادرة في أعوام 1985 و1992 و1998 و2007.
واعتبر ترامب أن هذه القيود لم تعد ضرورية لحماية الطائرات المتجهة إلى لبنان أو المغادرة منه من الاستيلاء غير المشروع، موجّهاً وزير النقل إلى تنفيذ القرار فوراً وإلغاء أي أنظمة أو أوامر تتعارض معه.
وقال الرئيس جوزاف عون إن «هذا القرار يشكّل مؤشراً إلى الثقة بالإجراءات التي تتخذها الدولة اللبنانية لضمان سلامة الطيران المدني وحماية حركة النقل الجوي من بيروت وإليها، وتعزيز أمن الرحلات الجوية التي تربط لبنان بدول العالم»، شاكراً الرئيس ترامب على قراره «والإجراءات التنفيذية التي ستتخذ بعدما كان تجاوب خلال اللقاء الذي جمعهما في البيت الأبيض مع طلبه رفع القيود على حركة النقل الجوي بين لبنان والولايات المتحدة وأوعز في حينه إلى المسؤولين الأميركيين ضرورة إعادة الحركة الجوية بين البلدين، وأقرن ذلك ببيان فوري إلى شركات الطيران الأميركية بإعادة رحلاتها إلى بيروت». كما شكر عون الوزير روبيو على متابعته الحثيثة لهذا الملف وجميع من عمل لإنجازه.
وأكد أن «لبنان يولي سلامة الطيران المدني وأمن مطار رفيق الحريري الدولي وحركة الملاحة الجوية أهمية قصوى، ويواصل اتخاذ التدابير اللازمة وفق المعايير الدولية المعتمدة، بما يحفظ سلامة المسافرين ويعزّز الثقة بلبنان ومؤسساته» معرباً عن تقديره لهذه الخطوة، وآملاً أن تساهم في تعزيز حركة النقل الجوي وتسهيل التواصل بين لبنان والعالم، وأن تشكّل مدخلاً لمزيد من التعاون بين لبنان والولايات المتحدة في مختلف المجالات.
ومعلوم أن القيود الأميركية على السفر بين لبنان والولايات المتحدة وُضعت في أعقاب كابوس طائرة TWA الذي حفر في الذاكرة الأميركية عن أشهر وأسوأ عمليات خطف الطائرات التي استمرت 17 يوماً ونفّذها حزب الله وقادها عماد مغنية وقد استهدفت رحلة كانت متجهة من أثنيا إلى روما يوم 14 يونيو 1985 وكان على متنها 153 راكباً ومن أفراد الطاقم، وتم اقتيادها إلى بيروت ثم الجزائر مرتين (عودةً إلى بيروت). وخلال المحطة الأولى في العاصمة اللبنانية، قام الخاطفون بضرب غطاس البحرية الأميركية روبرت ستيثيم بشدة ثم أطلقوا عليه الرصاص وقتلوه ورموا جثته على مدرج المطار في مشهد هزّ الولايات المتحدة.
- الراي الكويتية -






