من حق موظف القطاع العام أن يصرخ في وجه دولة أوصلته سياساتها إلى العجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة. ومن حقه أن يطالب براتب يحفظ كرامته، وبطبابة وتعليم وتقاعد لا تحوّل سنوات خدمته إلى سنوات من القلق. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة هو: من أوصل الدولة والموظف والمواطن إلى هذا القاع؟ ومن سيدفع ثمن الحلول الشعبوية إذا جاءت بلا موارد؟
المشكلة في لبنان لم تعد مشكلة رواتب فقط. إنها نتيجة منظومة سياسية واقتصادية تراكمت أخطاؤها على مدى سنوات، وسط حروب وأزمات وانهيار مالي وشلل سياسي، وصولاً إلى عزل لبنان عن محيطه العربي والدولي، بفعل خيارات وسياسات خارجية، دفعت به إلى مواقع أضعفت علاقاته بأشقائه وأصدقائه، وضيّقت أبواب الدعم والاستثمار والإنقاذ، واسقطت شرائح واسعة من الشعب اللبناني إلى تحت خط الفقر. اقتصاد لبنان
وليس من العدل أن يدفع الموظف وحده ثمن هذه السياسات، لكن ليس من العدل أيضاً أن يُطلب من الدولة أن تنفق من أموال لا تملكها، وأن تموّل زيادات جديدة عبر طباعة الأزمات، أو زيادة الضرائب، أو تحميل المؤسسات الخاصة أعباء لا قدرة لها على تحملها.
لقد سبق للبنانيين أن سمعوا وعوداً براقة بالزيادات والتحسينات، قبل أن يستيقظوا على انهيار الليرة، وتبخر المدخرات وانهيار المؤسسات، وتراجع الرواتب إلى ما يشبه المساعدات. فهل المطلوب اليوم إعادة إنتاج الوصفة نفسها؟
رفع الأجور ضرورة، لكن رفعها بلا إصلاح مالي وإداري وقبل القضاء على الفساد، وبلا موارد حقيقية، قد يعني ببساطة زيادة الأسعار غداً، وابتلاع الزيادة بعد غد. والأسوأ أن يدفع القطاع الخاص الثمن، فتغلق مؤسسات إضافية، وتضيع وظائف، وتتسع رقعة الفقر.
المطلوب ليس المزايدة على الموظفين، ولا تخوين تحركاتهم، بل مواجهة الحقيقة: لا يمكن بناء دولة رواتبها أكبر من اقتصادها، ولا يمكن إنقاذ الموظف عبر إفلاس الدولة، كما لا يمكن إنقاذ الدولة عبر إفقار الموظف.
الحل يبدأ من مكان آخر: وقف الهدر، استعادة الثقة، إصلاح الإدارة، توسيع الاقتصاد المنتج، إعادة وصل لبنان بمحيطه العربي والدولي، وفتح أبواب الاستثمار والعمل، ثم بناء سلم أجور عادل ومستدام.
أما الاستمرار في سياسة شراء الوقت بالزيادات العشوائية، فهو ليس إنقاذاً للموظف، بل تأجيل للانفجار المقبل.
لبنان لا يحتاج إلى جرعة شعبوية جديدة، بل إلى قرار سياسي يوقف إنتاج الأزمة من جذورها.
صلاح سلام ـ اللواء






