تتّصل المتفجرات المضبوطة عضوياًً بتعثّر محادثات تامبا. تختبر الأولى قدرة الدولة على فرض سلطتها داخل حدودها، وتكشف الثانية مدى قدرتها على ترجمة هذه السلطة إلى شروط تفاوضية تحمي لبنان من استمرار الحرب الإسرائيلية. بين الاختبارين، تتحدد مساحة الحركة المتاحة أمام السلطة. هل تستطيع بناء موقف وطني متماسك، أم تبقى أسيرة انقسام داخلي تستثمر فيه الضغوط الخارجية لفرض إيقاعها وأولوياتها؟
جاء قرار مجلس الوزراء تأجيل حسم إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، مع التشديد على استكمال التحقيقات ومتابعة الطلب على ضوء تقدمها، ليعكس صعوبة الفصل بين الاعتبارات القضائية والحسابات السياسية. انسحب وزراء القوات اللبنانية اعتراضاً على عدم اتخاذ قرار فوري بالإحالة، فيما بقي الباب مفتوحاً أمام إعادة طرح المسألة.
يتجاوز جوهر الإشكالية المرجعية القضائية، إذ كيف يمكن للدولة أن تؤكد حصرية السلاح والقرار الأمني، ثم تواجه صعوبة في حسم المسار المؤسساتي لقضية تتصل بنقل متفجرات خارج الأطر التي تحددها؟
لا يعني ذلك أن الإحالة إلى المجلس العدلي هي وحدها المعيار الحاسم لجدية الدولة، أو أن تأجيلها يثبت حكماً وجود تدخل سياسي في التحقيق. المعيار الفعلي هو قدرة القضاء على كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات، من دون حصانات غير قانونية أو استنتاجات مسبقة. لكن ترك القرار معلقاً تحت ضغط التوازنات يُضعف الرسالة التي تحتاج الدولة إلى إيصالها، داخلياً وخارجياً لجهة أن تطبيق القانون ليس موضوع مقايضة، وأن التحقيق لا يتوقف عند حدود النفوذ السياسي لأي جهة.
تزداد حساسية الملف بعدما أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال اتصاله بالرئيس جوزاف عون، ضرورة محاسبة من أمر بشحنة المتفجرات أو موّلها أو وجّهها، وشدد على رفض إعادتها إلى حزب الله. كما دعا إلى تواصل عسكري مباشر بين لبنان وإسرائيل لتجنب الاحتكاك وسوء التقدير.
بذلك، باتت القضية جزءاً من اختبار أوسع لعلاقة الدولة بالتزاماتها الأمنية، ولقدرتها على إقناع واشنطن بأن قراراتها قابلة للتنفيذ وليست مجرد مواقف معلنة.
لا يُلغي الضغط الأميركي حقيقة أنه لا يمكن مطالبة لبنان بضمان أمن الحدود فيما تستمر إسرائيل في عملياتها العسكرية وتحتفظ بوجودها في أراضٍ لبنانية. فالدولة مطالبة بتطبيق قراراتها على أرضها، وإسرائيل مطالبة بدورها باحترام التهدئة والانسحاب من الأراضي المحتلة. وأي مقاربة تختزل الالتزامات في ما ينبغي على لبنان تنفيذه، من دون تحديد واضح لما يقابله من خطوات إسرائيلية، تحوّل التفاوض إلى مسار أحادي الكلفة.
هنا تكمن أهمية محادثات تامبا التي انتهت من دون اختراق واضح. فقد تركزت المناقشات العسكرية التي استضافتها القيادة المركزية الأميركية يومي 20 و21 تشرين الأول على آليات تنفيذ التفاهمات الأمنية، فيما بقي الخلاف قائماً حول كيفية التحقق من الالتزامات والجهة التي تتولى هذه المهمة.
يتمسك لبنان بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، بينما يرتبط الموقف الإسرائيلي بتقييم أداء الجيش اللبناني في المناطق المحددة ضمن الترتيبات التجريبية.
يفتح غياب آلية متفق عليها للتحقُّق الباب أمام تفسيرات متناقضة للوقائع الميدانية، ويمنح كل طرف فرصة اتهام الآخر بعدم الالتزام. الأخطر أن تتحول المناطق التجريبية من خطوات لبناء الثقة إلى اختبار مفتوح تستخدم نتائجه لتبرير عمليات عسكرية جديدة. لذلك، لا تكفي الدعوة إلى تعزيز انتشار الجيش، ينبغي أن تقترن بتحديد المسؤوليات، وضمانات قابلة للتحقُّق، ومسار واضح يربط الإجراءات الأمنية بوقف الاعتداءات والانسحاب.
في المقابل، لا يستطيع لبنان تحسين شروطه الخارجية إذا ظل موقفه الداخلي موضع نزاع على أبسط مبادئ السلطة. لا يعني التماسك الوطني إخفاء الخلافات أو تعطيل المساءلة باسم الاستقرار، كما لا يعني اتخاذ قرارات متسرعة تحت ضغط الخارج، فالمطلوب أن تُحسم الملفات وفق القانون، وأن يكون الجيش والمؤسسات الشرعية المرجعية الوحيدة في إدارة الأمن. كلما تراجعت الثقة الداخلية، ازدادت قدرة الأطراف الخارجية على تحديد جدول الأعمال اللبناني.
يقف لبنان، إذاً، أمام معادلة دقيقة، لا سيادة مكتملة مع سلاح وقرار أمني خارج سلطة الدولة، ولا استقرار مستدام إذا بقيت الاعتداءات الإسرائيلية بلا معالجة وضمانات. ولا يكفي أن يثبت لبنان استعداده لتنفيذ التزاماته، عليه أن ينتزع في المقابل آلية واضحة لضمان حقوقه.
الاختبار الحقيقي للبنان أن يحوّل قراراته إلى سياسة دولة متماسكة، تفرض القانون في الداخل وتفاوض على السيادة في الخارج. وإلا، يترك تعثر المسارين البلد في أسوأ الاحتمالات. دولة مطالبة بتقديم تنازلات أمنية، من دون ضمانات كافية لوقف الحرب أو منع تجددها.
أنطوان الأسمر ـ اللواء






