المركزية – "باريس تحترق"... بهذه العبارة وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ودبلوماسي غربي، ما تشهده فرنسا مع عودة "السترات الصفراء" إلى الشوارع احتجاجاً على غلاء المعيشة، وسط مشاهد من الفوضى والتخريب امتدّت إلى مناطق فرنسية، ووصلت أمس إلى إيطاليا.
فهل هي انتفاضة مطلبية أم مواجهة سياسية تتجاوز الشارع، أم أن هناك من يستغلّ الغضب الشعبي لأهداف أخرى؟ والأهم، هل تمهّد هذه الاحتجاجات الطريق أمام مارين لوبان إلى الرئاسة عام 2027، أم تدفع القوى المعتدلة إلى بناء تحالف وسطي يقطع الطريق أمام اليمين المتطرف؟
المحلل السياسي الدكتور خالد العزي يؤكد لـ"المركزية" أن "الحديث عن فرنسا يرتبط بطبيعة الوضع الأوروبي الذي يعاني اليوم أزمة اقتصادية ناجمة عن الغلاء والحروب وتراجع القدرة التصنيعية. في نيسان الماضي، عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لقاءً في أثينا، ودق ناقوس الخطر، مشيراً إلى وجود تقارب بين ثلاث دول هي الصين والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، التي تحاول ابتزاز أوروبا. وبالتالي، فإن هذا الواقع يتطلب من الدول الأوروبية الوقوف على قدميها وبناء سياسات اقتصادية ومالية ودفاعية وأمنية تخدم مصالحها، بعيداً عن ارتهانها لهذه القوى الثلاث التي تمارس ضغوطاً عليها في مجالات الطاقة والتصنيع والضرائب والسيطرة على المرافق الحيوية والاقتصاد".
ويشير العزي الى ان "ما شهدناه في فرنسا هو تعبير عن حالة شعبية، لكن الأزمة أكبر من قرارات يمكن أن تتخذها أي حكومة أو دولة. صحيح أن التحركات بدأت قبل نحو شهر بمطالب طلابية لتحسين التعليم، إلا أن أحداث 17 تشرين، كما وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أظهرت وكأن "فرنسا تحترق". فهذا اليوم شكّل محطة مفصلية، إذ تجمعت مطالب مالية واجتماعية وسياسية في أكثر من 60 نقطة احتجاج في مختلف المدن والمحافظات الفرنسية، ولا سيما في باريس.
كما انضمت إلى هذه الاحتجاجات مجموعات "السترات الصفراء" التي خاضت قبل سنوات مواجهة حادة مع الدولة وأجهزتها الأمنية. وكان جوهر الأزمة آنذاك مرتبطاً بمطالب اجتماعية واقتصادية، فيما لم تحقق هذه الحركات سوى حضور نقابي وإعلامي من خلال الإضرابات المتواصلة من دون تحقيق نتائج ملموسة".
ويضيف: "اليوم، هذا الحشد الكبير، كما وصفه اليمين واليسار معاً، بات يهدد الأمن الوطني الفرنسي. فالتظاهر حق مشروع والتعبير عن الرأي مكفول، لكن تخريب المؤسسات ونهبها وربط التحركات بأجندات سياسية خاصة، يفرضان على الدولة الفرنسية اعتماد قوانين جديدة للتعامل مع الهجرة والمافيات والجريمة المنظمة، وهو ما ستكون له انعكاسات على الحريات العامة والسياسات الاقتصادية"، معتبرًا ان "في ظل وضع عالمي ملتهب، قد تؤخذ هذه المطالب بعين الاعتبار، لكن من غير الممكن تلبيتها بالكامل. فهناك الحرب في أوكرانيا، وأوروبا تدفع جزءاً كبيراً من كلفتها الاقتصادية. كما أن إمدادات الطاقة والمواد الأساسية تتعرض لضغوط متزايدة، سواء نتيجة الحرب أو التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
كذلك تواجه أوروبا تحديات مرتبطة بالصين التي تسعى إلى تعزيز نفوذها الصناعي والاقتصادي، ما يضعف القدرة التنافسية الأوروبية، إضافة إلى الضغوط الأميركية، ولا سيما في عهد ترامب، المتعلقة برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المئة وفرض رسوم جمركية مرتفعة على المنتجات الأوروبية. كل هذه العوامل تؤدي إلى تضخم مالي ينعكس على إدارة الدول الأوروبية، إضافة إلى مشكلات داخلية مرتبطة بالفساد وضعف التخطيط الاقتصادي".
ويتابع العزي: "قد يكون ماكرون رئيساً غير ناجح في نظر البعض، لكنه من الناحية الاقتصادية يُعد من أبرز الخبراء الاقتصاديين في أوروبا، وهو من الشخصيات التي تدق باستمرار ناقوس الخطر بشأن مستقبل الاقتصاد الأوروبي. لذلك، فإن المشكلة التي ركز عليها ماكرون تتمثل في محاولة معالجة الأزمة الاقتصادية عبر التخفيف من الضغوط الخارجية ومنح الأوروبيين فرصة لبناء استراتيجية اقتصادية جديدة، وإلا فإن القارة ستكون معرضة لمزيد من الأزمات".
ويضيف: "يجب الفصل بين أحداث 17 تشرين وبين الحركة المطلبية التي تشهدها فرنسا ودول أوروبية أخرى. فهذه الاحتجاجات تعكس مطالب اجتماعية واقتصادية مشروعة ناتجة عن تدهور الأوضاع المعيشية، ومن حق المواطنين المطالبة بتحسين ظروفهم وبسياسات تحميهم اقتصادياً واجتماعياً.
في المقابل، شهدت التحركات أعمالاً تخريبية ارتبطت بالجريمة المنظمة ومجموعات الشغب. فعمليات الحرق والسرقة والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة لا يمكن تصنيفها ضمن العمل الاحتجاجي السلمي. ويشارك في هذه الأعمال أفراد من جنسيات مختلفة، إلا أن نتائجها قد تدفع الحكومات الأوروبية إلى إعادة النظر في سياسات الهجرة وتشديد إجراءاتها".
ويرى العزي أن "الاحتجاجات التي شهدتها إسبانيا والبرتغال وفرنسا وبلجيكا وألبانيا وإيطاليا تلاقت حول مطالب مشتركة تتعلق بمحاربة الفساد، وحماية المواطن، وضمان العيش الكريم، والضغط باتجاه سياسات اقتصادية أكثر عدالة. كما ارتبط جزء من هذه التحركات بالجدل الدائر حول موازنة الاتحاد الأوروبي لعام 2027، في ظل فشل المؤسسات الأوروبية حتى الآن في التوصل إلى توافق كامل بشأن بنودها.
ويعتقد أن هذه الضغوط قد تدفع الحكومات الأوروبية إلى التعامل بجدية أكبر مع التحديات التي تواجه القارة. وقد بدأت بعض الحكومات بالفعل اتخاذ إجراءات صارمة، إذ أعلنت السلطات الفرنسية، كما فعلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، أنها ستحاسب المخربين، مع التأكيد في الوقت نفسه على حماية حق التظاهر السلمي".
ويشدد العزي على أن "هذه الاحتجاجات لم تكن مدفوعة بمحرك واحد، بل تلاقت حول مطالب اقتصادية واجتماعية وسياسية مشتركة. إلا أن السؤال المطروح يتعلق بما إذا كانت بعض القوى الشعبوية والمتطرفة ستعمل على استغلال التحركات المقبلة لتحويلها إلى أدوات ضغط سياسي، خصوصاً أن عدداً من الدول الأوروبية مقبل على استحقاقات انتخابية مهمة.
ومن هنا، يرى أن "على الأجهزة الأوروبية التمييز بين ثلاث قضايا أساسية: أولاً، أعمال الشغب والتخريب التي يجب أن يتحمل منفذوها المسؤولية القانونية؛ ثانياً، تنامي الحركات المتطرفة في أوروبا وإمكانية استفادتها من الأزمات القائمة؛ وثالثاً، الحاجة الملحة إلى معالجة المطالب الشعبية عبر سياسات إصلاحية واقعية تتيح للمواطن الشعور بأن الدولة تسعى فعلاً إلى حل مشكلاته"، لافتًا إلى أن "هذه الحلول لن تكون سحرية أو فورية، لكنها تبقى ضرورية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي. كما أن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في فرنسا وإيطاليا وسواهما ستشكل اختباراً مهماً لقدرة الحكومات والأحزاب التقليدية على مواجهة تنامي التيارات الشعبوية".
ويشير إلى أن "التجربة الإيطالية أظهرت أن جورجيا ميلوني، رغم انتمائها إلى اليمين، اختارت العمل ضمن الإطار الأوروبي ومصالح الاتحاد، بدلاً من تبني سياسات انعزالية متطرفة. أما في فرنسا، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً في ظل الانقسام بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف، وبين قوى الوسط والأحزاب الجمهورية التي تسعى إلى تقديم بدائل سياسية جديدة"، مشيرًا إلى أن "اليمين المتطرف واليسار المتطرف يمثلان وجهين لأزمة سياسية واحدة، فيما تحتاج فرنسا إلى شخصيات جديدة تمتلك رؤية استراتيجية لإدارة الدولة، بعيداً من الخطابات الشعبوية والشعارات التي فقدت الكثير من تأثيرها".
ويختم العزي بالقول إن "فرنسا لم تعد ذلك المجتمع المتجانس الذي جرى تصويره في مراحل تاريخية سابقة، بل أصبحت مجتمعاً متنوعاً يضم مكونات أوروبية وشرق أوسطية وأفريقية وآسيوية. ولذلك، فإن المطلوب من فرنسا وسائر الدول الأوروبية وضع سياسات واضحة ومتوازنة تعيد النظر في ملف الهجرة انطلاقاً من المصالح الاقتصادية والاجتماعية للدولة، ومن قدرة المهاجرين على الاندماج والمساهمة في المجتمع"، مؤكدًا أن "أحداث 17 تشرين تستوجب معالجة جدية وعميقة لهذا الملف، بما يحفظ الاستقرار والمصلحة العامة".






