6:16 AMClock
صحف
  • Plus
  • Minus

على فوّهة البُركان… هل يخوض الحزب المواجهة مع الدّولة؟

بدا لبنان، خلال الأسبوع الماضي، كأنه يقف فعلاً على فوهة بركان، لا يحتاج انفجاره إلى أكثر من خطأ في الحسابات، أو قرار متهوّر، أو محاولة جديدة لاختبار هيبة الدولة وحدود قدرتها على تطبيق قراراتها. فالقضية لم تعد مجرد شاحنة متفجرات ضُبطت عند حاجز ضهر البيدر، ولا شحنة أخرى هُرّبت عبر المسالك الجبلية على الحدود اللبنانية ــ السورية، بل تحولت إلى مواجهة سياسية وأمنية مباشرة بعدما أعلن حزب الله ملكيته للمتفجرات، وطالب بإعادتها والإفراج عن الموقوفين في القضية. أخبار لبنان

هذا الإعلان لم يُقفل باب التساؤلات، بل فتح أخطرها: بأي حق تنقل جهة حزبية مئات الكيلوغرامات من مواد «تي إن تي» و«سي فور» على الطرق اللبنانية، ومن دون علم الأجهزة الشرعية أو إشرافها؟ ومن يملك، خارج مؤسسات الدولة، صلاحية تحديد وجهة هذه المتفجرات وموعد استخدامها؟ وهل يكفي القول إنها كانت معدّة لمواجهة الإحتلال الإسرائيلي حتى تصبح حيازتها ونقلها أمراً مشروعاً، فيما اتخذ مجلس الوزراء قراراً واضحاً بمنع أي نشاط عسكري خارج سلطة الدولة؟

المشكلة، إذاً، ليست في الرواية التي قدّمها الحزب عن وجهة الشحنة، بل في أصل السلوك الذي يكشف استمرار وجود قرار عسكري مستقل، وشبكات نقل وتسليح تعمل خارج القانون وفوق المؤسسات. فالقول إن المتفجرات كانت مخصّصة للجبهة الجنوبية لا يبدّل في جوهر القضية شيئاً؛ لأن قرار الحرب والسلم، وتحديد وسائل الدفاع عن الأرض، وإدارة المواجهة مع الاحتلال، كلها صلاحيات حصرية للدولة وجيشها الشرعي، وليست حقاً مكتسباً لأي حزب مهما كانت الذّرائع، لاسيّما بعد الكوارث التي حلت بالبلد، وخاصة في الجنوب وأهله نتيجة الحربين الأخيرتين.


الأخطر أن مطالبة الحزب باستعادة المتفجرات تضع الدولة أمام اختبار لا يحتمل المساومة. فإذا رضخت، تكون قد تراجعت عملياً عن قرار حصرية السلاح، وسمحت بتحويل مؤسساتها الأمنية والقضائية إلى مجرد أجهزة تضبط الممنوعات، ثم تعيدها إلى أصحابها تحت الضغط. أما إذا تمسكت بالقانون، كما يجب، فإن الحزب سيجد نفسه أمام خيار واضح: إما احترام الدولة وقراراتها، وإما خوض مواجهة مفتوحة معها، ومع أكثرية الشركاء في الوطن، الذين يريدون العيش تحت سقف دستور واحد وقانون واحد وسلاح شرعي واحد، وفي رعاية دولة واحدة.

وجاءت مسيرات الدراجات النارية في شوارع بيروت، بما رافقها من شعارات واستعراضات، لتزيد المشهد توتراً وخطورة. فبيروت ليست ساحة لإرسال الرسائل الأمنية، والذاكرة اللبنانية لم تُشفَ بعد من سنوات الاغتيالات والصدامات والانقسامات التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا من المشهد الأسود لاجتياح السابع من أيار. لذلك، فإن أي استعراض للقوة في الشارع لا يمكن اعتباره حركة عفوية، بل رسالة ضغط تعيد إلى الأذهان زمناً اعتقد اللبنانيون أنهم تجاوزوه، حين كان السلاح يُستخدم لتعديل المعادلات السياسية وفرض الإرادات.

لكن السؤال المفصلي يبقى: هل يستطيع حزب الله تحمّل تداعيات مواجهة الدولة؟

الواقع أن القيادة الحزبية الحالية تدرك، أكثر من غيرها، أن الحزب اليوم ليس في الموقع الذي كان فيه قبل سنوات الحربين. فالبيئة الداخلية تبدلّت، والمظلة السياسية التي وفرت له الغطاء تقلّصت، وقدرته على فرض الخيارات بالقوة لم تعد كما كانت أيام «القمصان السود»، وشعار «شدّ العصب» فقد الكثير من مفعوله السحري.

وفي المقابل، تقف إلى جانب خيار الدولة أكثرية لبنانية حاسمة، عابرة للطوائف والمناطق، ترى أن خلاص البلاد يبدأ باستعادة مؤسساتها كامل سلطتها. كما يحظى هذا الخيار بدعم عربي ودولي واضح، لأن المجتمعين العربي والدولي لن يقدّما المساعدات للجيش، ولن يسهما في إعادة الإعمار وإنقاذ الاقتصاد، إذا بقي لبنان ممراً للمتفجرات وساحة لقرارات عسكرية خارج الشرعية، وتعمل لمصلحة أجندات خارجية.

ليس المطلوب جرّ حزب الله أو بيئته إلى صدام داخلي. فهذا انتحار وطني لا يريده عاقل. المطلوب أن يدرك الحزب أن الدولة ليست خصماً، وأن تسليمها القرار الأمني والعسكري ليس هزيمة له، بل حماية للبنان ولجمهوره قبل سواه. أما محاولة كسر هيبتها بالضغط في الشارع، أو فرض استثناء دائم للقانون، فلن تحمي المقاومة، بل ستضع الحزب في عزلة أعمق وتحمّله مسؤولية تهديد السلم الأهلي..

على حزب الله أن يختار: شريكاً سياسياً تحت سقف الدولة، أم قوة تواجه دولةً يقف وراءها اللبنانيون والعرب والمجتمع الدولي. إنها مواجهة لا رابح فيها إذا انفجرت، لكن الخاسر الأكبر فيها سيكون حتماً مَن يصرّ على الوقوف في وجه الدولة وإرادة اللبنانيين.

صلاح سلام - اللواء

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o