طوني جبران
المركزية – التقى أكثر من مرجع ديبلوماسي وسياسي على ان ما أعطي من اهمية لرسالة "حزب الله" الأخيرة التي وجهها الى كل من رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ، رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام ومن سماهم "أبناء شعبنا الأبي في لبنان" لم يكن واقعيا ولا منطقيا على الاطلاق بعدما راحت بعض التعليقات الى المسارات التقليدية، وكأن الرسالة قد وجهت منذ زمن بعيد، وتحديدا في الفترة التي اعتقد فيها الحزب انه بات قوة رادعة من ضمن "محور الممانعة" الذي توهم قادته ان بقدرتهم تغيير وجه الشرق الأوسط وحكم المنطقة بكاملها قبل ان تنفجر الازمة السورية وتتعاظم العمليات العسكرية في غزة ولبنان وصولا الى ما انتهت اليه من نكبات.
وقال أحد الديبلوماسيين لـ"المركزية"، متحدثا باسم مجموعة سياسية التقت على قراءة واحدة، "لو سمع مني البعض لما أعطيت البيان في توقيته وشكله ومضمونه أكثر مما يستحق، وذلك وفق مجموعة من الدلائل والمؤشرات التي لا يمكن تجاهلها على الاطلاق، والتي يمكن الإشارة إليها بالمختصر المفيد. ومنها:
- في التوقيت، قد يكون الحزب نجح الى حد ما في اختيار التوقيت الذي حدده لتوجيه الرسالة فيما كانت الأنظار تتجه إلى مجموعة من الاستحقاقات السياسية والديبلوماسية، ولا سيما موعد عرض التقرير الشهري الثاني لقيادة الجيش حول تنفيذه قرار "حصر السلاح" وطرح التعديلات المقترحة على قانون الانتخاب على جلسة مجلس الوزراء يوم الخميس الماضي والتي عبرت بدون أي رد فعل يساوي ما سبق الجلسة من تهديدات فارغة. ولكنه لم يكن موفقا في احتفاظه بالقراءة "العقيمة" لمضمون "تفاهم 27 ت 2 2024" والتي لم يشاركه فيها أحد من القيادات اللبنانية، في ظل "الفروقات المستورة" مع توجهات "الأخ الأكبر" الذي يقود شريكته الحركية في الإطار الضيق "للثنائي". والتي تفاقمت بعدما تفرق من حولهما كل الحلفاء والعشاق والأتباع من أحزاب وتيارات وشخصيات وجمعيات، وباتا يقودان المواجهة وحيدين باسم الطائفة التي باتت في عزلة داخلية بعد الخارجية.
- وفي الشكل، لم تأت الرسالة باي جديد سوى انه استثنى "الشرفاء" للمرة الأولى في رسائله، وضم رئيس مجلس النواب شريكه في "الثنائي الشيعي" الى لائحة من توجه اليهم، وهو ما ترك اكثر من سؤال على خلفية استهدافه بمضمونها الى جانب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فتساوت الشكوك بوجود عملية "توزيع أدوار" بين طرفي الثنائي، بمعزل عن وجود مواقف مغايرة من ملفات أساسية لتلك التي تضمنتها الرسالة. فلا يمكن ان يتجاهل المراقبون، موقف الرئيس بري المختلف من المفاوضات والمبادرات الأميركية والغربية والخليجية بكاملها. وعليه بقيت الاشارة الملتبسة موجودة في وضع الرئيس بري في خانة واحدة مع كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بعدما تغيرت مواقف الحزب إزاءهما عند تشكيكه بما يريدان تحقيقه من الخطوات التي تجاوزت معارضته، ووضعته في موقع حرج، لمجرد فقدانهم ما كانوا يعتبرونه "وصفة شرعية" اكتسبتها "المقاومة" منذ زمن بعيد من دون الاعتراف بما حصل من متغيرات وضعتها في شكلها ومضمونها وأهدافها في "شرنقة" خانقة، وباتت خارج مشهد الدولة ومؤسساتها الدستورية والعسكرية والأمنية، ومشاريع احيائها لتستعيد موقعها وحضورها في العالمين العربي والدولي الذي يتنافى مع كل مظاهرها.
- أما في المضمون فقد برزت في الرسالة فوارق كبيرة ومؤشرات وضعت الحزب في مرحلة متقدمة من العزلة الداخلية، وابعدته بخطوات مرصودة بطريقة مبدئية ومحدودة عن شريكه "الأخ الأكبر" لعدة أسباب. فحديثه عن رفض المفاوضات بأي شكل يمكن ان تتخذه، يتنافى مع شروط "الأخ الأكبر" بإصراره على اعتماد آلية "الميكانيزم" وملاحظات مختلفة أخرى في أكثر من مجال. كما ان الرسالة لم تأتي بأي مخرج لأي عقدة تتصل بمختلف وجوه الحياة السياسية وتعقيداتها الداخلية. لا بل، فقد زادت منها، بعدما أحيت الرسالة التفسيرات القديمة التي جددت الإشارة إليها. بطريقة لم يجد فيها الحزب الى جانبه أي شريك جدي ومتماسك، ولا سيما تلك التي نص عليها تفاهم 27 ت 2 2024 والقرارات الدولية الأخرى التي استند اليها، ومنها القرارات 1559 و1680 والـ 1701 والتي أسقطها سابقا بتمرده على الخطوات والمراحل التي اشارت اليها بطريقة حالت دون تنفيذ أي منها كاملة، إلى ان انفجر الوضع بما شهدته السنوات الأخيرة ومسلسل الحروب الأخيرة التي اقتيد البلد إليها."
والى مسلسل الملاحظات هذه، فقد التقت المراجع الديبلوماسية والسياسية على الكثير من المؤشرات السلبية التي تهدد الجهود المبذولة لإعادة دمج القيادات الشيعية مع باقي المكونات اللبنانية بعدما ذهب قادتها بعيدا في تفسيرهم لكل القرارات واقتراحات الحلول الأخيرة واعتبارها انها تستهدفهم بما فيها مشاريع حصر السلاح وإحياء المؤسسات الدستورية. وأخطر ما فيها انها وضعت الطائفة بكاملها في عزلة عن الحياة السياسية والوطنية وقد غاب الفصل المطلوب فيها بين ما هو ديني وعقائدي وسياسي وحزبي، وبات الجميع في سلة واحدة ينادي بالحقوق المهدورة والغبن وكأن السلاح بات وسيلة للاحتفاظ بمكاسب فرضتها قوى الأمر الواقع بالترغيب والترهيب في لبنان والمنطقة وكأنها من الإنجازات التاريخية التي لا تمس.
وترى المراجع عينها، ان أخطاء كبرى ارتكبها البعض في تفسيره لرسالة الحزب الأخيرة، وخصوصا ان بعضها وضع الحزب في موقع كان مميزا من قبل وقد انتفت جميع شروطه ومقوماته التي تبخرت وتهاوت واحدة بعد اخرى. لا سيما أنه كان هناك من يعتقد ان بقدرة الحزب تأمين نوع من توازن الرعب مع العدو الإسرائيلي، وهي أوهام صدق البعض انها جعلت إسرائيل تقف على "أجر ونص" طيلة الفترة التي تلت حرب تموز 2006 والادعاء بالانتصارات الوهمية إلى ان انتهت الحرب الأخيرة بما تسببت به من نكبات طالت الحجر والبشر وغيرت مجرى التاريخ على أبواب شرق أوسط جديد. والأخطر من كل ذلك ان من خاض مغامرة "الإلهاء والإسناد" اعتقد انه خاضها على خلفية اعتبارها "أهون من بيت العنكبوت" وقياسه لقدرات إسرائيل التي كانت قائمة عام 2006 متجاهلا ما قدمته ما بين العامين 2023 و2025 من مفاجآت لم يكن يحتسبها من اتخذ القرار بخوض هذه الحرب، سواء عن خطأ او سوء تقدير فسيّان. وما زاد في الطين بلة إصراره على رفض وتجاهل وربما السخرية من كل النصائح الداخلية والخارجية التي أسديت على مدى عامين للفصل بين ما يجري في جنوب لبنان وقطاع غزة قبل ان تنقلب الصورة رأسا على عقب.






