شهدت خطوط الطاقة في سوريا خلال الفترة الماضية مجموعة من حوادث التخريب المتعمدة في مناطق متفرقة من البلاد، في الشرق والغرب والجنوب، وخلال فترات متقاربة، أدت إلى خروج محطات كبرى عن الخدمة وانقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة من البلاد، ما يشير إلى وجود عمل منظم لضرب خطوط الغاز، في وقت تبرم فيه سوريا اتفاقيات دولية لتكون ممراً لسلاسل إمداد الطاقة، ما يعطي انطباعاً بأن من يقوم بالتفجيرات يريد إرسال رسالة إلى العالم بأن سوريا غير آمنة، بحيث يمكن لعمل تخريبي محدود أن يؤدي إلى تعطيل أنابيب نقل كلفت مليارات الدولارات. وهذا ما يطرح سؤالاً محورياً عن الجهة المستفيدة من هذه التفجيرات، والمتضررة في الوقت ذاته من تحول سوريا إلى ممر لخطوط الطاقة.
أماكن استهداف خطوط الطاقة السورية
قبل الحديث عن الجهة المستفيدة من استهداف خطوط الطاقة، أجرى موقع "the cradle" رصداً لخطوط الإمداد المستهدفة خلال الفترة الماضية، وتشمل 4 حوادث رئيسية:
خط تصدير الغاز من معمل الجبسة في ريف محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا، حيث تشكل المنطقة هناك خزان سوريا النفطي، وتوجد مئات الحقول، وأدى العمل التخريبي المتعمد في الصمام المقطعي في 18 آب/أغسطس، وفق الشركة السورية للبترول، إلى توقف الضخ.
استهداف الخط ذاته، ولكن من موقع آخر، في منطقة الشولا في دير الزور، المجاورة لمحافظة الحسكة، في 28 أيلول/سبتمبر، وكذلك نتيجة عمل تخريبي، ولكن يبدو أن التخريب كان أكبر من السابق، حيث قامت وزارة الطاقة السورية باستبدال مقطع طوله 18 متراً بقطر 16 إنشاً، خلال أعمال الصيانة التي استغرقت 5 أيام، على عكس الاستهداف الأول الذي استغرقت صيانته يوماً واحداً.
ويمكن الإشارة إلى أهمية الخط الذي تكرر استهدافه، كونه ينقل ما يقارب مليون متر مكعب من الغاز يومياً، ويرتكز الضخ إلى معمل غاز الفرقلس بريف حمص الشرقي، قرب الساحل السوري، وتحديداً بجانب محافظة طرطوس، ولهذه النقطة دلالات، كون دمشق وقعت اتفاقيات دولية لنقل سلاسل الطاقة تمر عبر الساحل، أهمها خط أنابيب لنقل النفط من العراق إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، وتحديداً عبر ميناء بانياس في محافظة طرطوس.
يتقاطع العمل الثالث مع الاستهدافين الأول والثاني، حيث جرى أولاً من حيث التوقيت بعد يومين من العمل التخريبي في منطقة الشولا، ومن حيث الموقع الجغرافي، وقع على جسر مصياف بريف حمص الغربي، وهي المحافظة التي يصب فيها خط نقل غاز الشولا، قرب طرطوس التي يجري إعداد مرافئها لسلاسل الإمداد الدولية. أما من حيث طبيعة الاستهداف، وهي الأهم، فقد جرى استهداف حافلة تقل مهندسين وموظفين من شركة الكهرباء، وراح ضحيته 7 أشخاص، بالإضافة إلى إصابة أربعة آخرين، بينهم شخصان حالتهما حرجة.
وفي ذات يوم استهداف حافلة موظفي شركة الكهرباء، 30 أيلول/سبتمبر، وقع انفجار في خط أنابيب الغاز بريف دمشق الشرقي، أدى إلى خروج ثلاث محطات كهربائية عن الخدمة، هي دير علي والناصرية وتشرين، بعد اشتعال حريق كبير في الخط، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة من العاصمة دمشق وريفها، بالإضافة إلى مناطق في الجنوب السوري.
وفي الوقت الذي قالت فيه السلطات السورية إن الاستهدافات السابقة كانت ناتجة عن أعمال تخريبية، أشارت إلى أنه جارٍ التحقق مما إذا كان انفجار ريف دمشق متعمداً كذلك.
من المستفيد؟
على الرغم من أن الحكومة السورية لم توجه أصابع الاتهام إلى جهة محددة، فإن محللين سوريين أشاروا إلى أن إسرائيل تعتبر المستفيد الأكبر من هذه الأعمال. واعتبر الصحفي والكاتب السياسي باسل المحمد، في حديثه إلى موقع "The Cradle"، أنه من الصعب التعامل مع التفجيرات التي استهدفت خطوط ومحطات الغاز خلال الفترة الماضية باعتبارها حوادث متفرقة، خصوصاً مع تكرارها وتوزعها على منشآت رئيسية مرتبطة بقطاع الطاقة، مشيراً إلى أن هذه الاستهدافات لا تضرب منشأة بعينها فقط، وإنما تؤثر في البنية التحتية، وتحمل رسالة بأن سوريا ليست بيئة آمنة ومستقرة للاستثمار ومشاريع الطاقة.
وعند البحث عن المستفيد من إضعاف سوريا اقتصادياً وأمنياً، وفق المحمد، فإن إسرائيل تُعد من أبرز المستفيدين، خصوصاً أنها لا ترغب بقيام دولة سورية قوية ومستقرة على حدودها، كما أن إضعاف الاقتصاد والبنية التحتية قد يساعدها في فرض مزيد من الضغوط والشروط.
وأضاف الكاتب السياسي أن "الأمر يكتسب أهمية أكبر في ظل الحديث عن دور سوريا كممر إقليمي للطاقة، ولا سيما مشروع خط الغاز العربي الذي يربط الأردن بتركيا عبر الأراضي السورية، بالتزامن مع أزمة مضيق هرمز. بالتالي، فإن استهداف منشآت الغاز يمكن أن يوجه رسالة إلى الدول والمستثمرين بأن سوريا ليست ممراً آمناً للطاقة. كذلك فإن طبيعة الاستهدافات وتوزعها على مواقع متفرقة ومهمة في منظومة إنتاج الطاقة، ومنها ما جرى في محيط محطة تشرين بريف دمشق، تطرح تساؤلات حول وجود جهة منظمة تمتلك القدرة والمعلومات اللازمة للوصول إلى هذه المنشآت. لكن تحديد هوية هذه الجهة يحتاج إلى أدلة وتحقيقات."
لذلك يمكن القول إن إسرائيل، وفق حديث المحمد، موجودة ضمن دائرة الاحتمالات بالنظر إلى مصالحها في إضعاف سوريا ومنع تحولها إلى ممر إقليمي للطاقة، لأن سوريا الضعيفة كما تريدها إسرائيل ستكون قابلة لأي شروط تُملى عليها في أي تسوية أمنية أو سياسية في المستقبل.
ويُذكر أن الشركة السورية للبترول قد أشارت، في 29 أيلول/سبتمبر، أي في أيام الاستهدافات ذاتها التي حصلت، إلى انطلاق أعمال الجزء الثاني من المرحلة الثانية لمشروع خط الغاز العربي بطول 168 كم وقطر36 إنشاً، الممتد من الحدود الأردنية إلى الحدود التركية بطول إجمالي يقارب 566 كم، مع جاهزية الخط للعمل في الاتجاهين.
ويتعارض مشروع الغاز العربي، خاصة إذا ما جرى تطويره وصولاً إلى أوروبا، مع ما تسعى إليه إسرائيل عبر توسيع صادرات الغاز المستخرج من حقول شرق المتوسط، خصوصاً ليفياثان وتمار، ويهدد مصالحها الاقتصادية في سوق الطاقة كلاعب إقليمي.
التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا
لا يقتصر الصراع التركي الإسرائيلي في سوريا على الجانب العسكري أو النفوذ الجغرافي، وإنما يمتد إلى سلاسل الإمداد، مع إنشاء خط أنابيب نفطي جديد يربط جنوبي العراق، عبر حقول البصرة من ميناء الفاو، بميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، والخط العربي من تركيا مروراً بسوريا إلى الأردن.
وفي السياق، كان موقع "The Cradle" قد أكد في تحقيق صدر في شباط/فبراير من هذا العام أن سوريا تستورد الغاز من إسرائيل بشكل غير مباشر، وهو ما أكده بعد ذلك مركز بيغن-سادات للدراسات الاستراتيجية، ومقره إسرائيل، في شهر تموز/يوليو، إذ أشار إلى أن الغاز يصل إلى سوريا عبر عقود غير مباشرة مع الأردن ومصر، ومن شأن مرور خطوط الطاقة في سوريا والأردن أن يؤدي إلى استغناء دمشق وعمان عن الغاز الإسرائيلي، ما يجعل تل أبيب تفقد إحدى أوراق الضغط على كلا البلدين.
من جهة أخرى، وقعت سوريا والعراق، في تموز الماضي، مذكرات تفاهم لإعادة تأهيل وإحياء خط أنابيب كركوك–بانياس، وذكر الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، أن أعمال إنشاء خط لنقل النفط العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط قد تبدأ خلال الربع الأول من عام 2027.
وبالعودة إلى التفجيرات، يعتقد عزيز موسى، الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن سلسلة التفجيرات لخطوط الطاقة السورية تحمل رسائل إقليمية ودولية، فمن جهة تبرز إسرائيل بوصفها أحد أبرز الاحتمالات، بهدف إيجاد حالة من الضغط على سوريا من خلال عمليات تخريب متعمدة، إضافة إلى سعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التصعيد قبيل الانتخابات ومحاولة إخضاع دمشق التي ترفض التنازلات، مرجحاً أن تكون العمليات نُفذت عن طريق القصف بمسيّرات إسرائيلية أو طيران حربي.
ويربط موسى هذه التفجيرات مع تصعيد ميداني وزيادة التوغلات الإسرائيلية المستمرة في القنيطرة، والعمل على توسيع المشاريع التي تعمل إسرائيل من خلالها على فرض أمر واقع جديد، وبالتالي تجمع بين الأساليب للضغط بشكل أكبر على سوريا، وخاصة في ظل المرحلة الحالية ووجود حالة من الهشاشة الأمنية، وتقويض فرص مشاريع التعافي وموقع سوريا كعقدة طاقة إقليمية.
كما تعتمد إسرائيل، بحسب الباحث في الشؤون الأمنية، عادةً على ضربات جوية معلنة أو معروفة تستهدف بنى عسكرية، إلا أن الاستهداف الصامت للبنية المدنية في دولة تعمل معها على ترتيبات أمنية سيكون خروجاً عن هذا النمط.
ويقول في حديثه إلى موقع "the cradle" إنه لا يمكن الجزم بشكل مطلق باحتمال أن تكون إسرائيل وراء عمليات الاستهداف، ويبرز تنظيم داعش الإرهابي نظراً لأن أسلوب الاستهداف يتطابق مع أسلوب التنظيم في القيام بعمليات سابقة، سواء في سوريا أو في العراق، ضمن استراتيجية ترتبط بعودة نشاط خلايا التنظيم.
ويضع تحول سوريا إلى أحد مراكز خطوط الإمداد إسرائيل أمام معضلة، كما توضح فيتا أبراموف، الباحثة في المعهد الإسرائيلي للاستراتيجية والأمن (JISS)، معتبرة أن إنشاء مسار بري مباشر لنقل النفط من العراق إلى البحر المتوسط عبر سوريا يقلص الحاجة إلى بعض المسارات البديلة التي كان من المفترض أن تمر عبر إسرائيل، وفي مقدمتها المقترحات المختلفة لاستغلال البنية التحتية لخط أنابيب إيلات–عسقلان، المعروف باسم "كاتسا"، وربطه بشبكات الطاقة في دول الخليج، في إطار مساعٍ لتعزيز مكانة إسرائيل بوصفها مركزاً إقليمياً لنقل الطاقة إلى أوروبا.
وترى أبراموف، في مداخلة لقناة 12 الإسرائيلية، المحسوبة على اليمين الإسرائيلي، الذي يترأسه نتنياهو حالياً في الحكومة، أن الضرر الذي قد يلحق بإسرائيل يرتبط مباشرة بخريطة المنافسة الإقليمية، ولا يقتصر على مجرد افتراضات نظرية، ووفق الباحثة الإسرائيلية: "كلما تحولت سوريا إلى دولة عبور رئيسية للطاقة في الشرق الأوسط، تعزز موقعها الاقتصادي والسياسي، كما أن كل دولار من الاستثمارات يتدفق إلى دمشق بفضل هذا الدور، يقلص بالتالي الحوافز الاقتصادية لتطوير مسار منافس يمر تحديداً عبر إسرائيل".






