لم يعد النفق في الوعي اللبناني مجرّد ممرّ محفور تحت الأرض، بل أصبح عنواناً للرعب، ومرادفاً للغارات والتفجيرات والإنذارات الإسرائيلية التي تسبق تدمير الأحياء والقرى. فاللبنانيون، ولا سيما أهل الجنوب، يعيشون منذ اندلاع الحرب الثانية كابوساً يومياً، بعدما تحوّلت ذريعة البحث عن أنفاق حزب الله إلى باب مفتوح أمام الاعتداءات، وتدمير المنازل والبنى التحتية وتهجير السكان.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تثير المعلومات المتداولة عن العثور على حفرة عميقة بين الفنار والزعيترية موجة هلع في «الجدَيْدة» والمناطق المحيطة بها. فالناس الذين تابعوا مشاهد تفجير الأنفاق في الجنوب، وعايشوا أخطار تخزين السلاح بين الأحياء السكنية، سارعوا إلى طرح السؤال الأخطر: هل أقيمت منشأة عسكرية تحت الأرض في منطقة سكنية، في غفلة عن الدولة وأهل المنطقة؟
اللافت والإيجابي كان سرعة تحرّك الأجهزة الأمنية، من مخابرات الجيش وفرع المعلوملت إلى سائر المراجع المختصة، ووضع يدها على الموقع، وإجراء الكشف الفني، وتوقيف أحد المتهمين بالقيام في أعمال الحفر. وتبين أن النفق يبلغ نحو ثلاثة عشر متراً، ولا يحتوي على أسلحة أو عتاد عسكري، ولكن لم يتوصل التحقيق بعد لتحديد الغاية الحقيقية من إنشائه. وهذه الخلاصة الأولية قد تُطمئن السكان، لكنها لا تُلغي ضرورة استكمال التحقيق حتى النهاية، وكشف جميع المشاركين والممولين وأسباب اختيار هذا المكان بالذات.
القضية تتجاوز حفرة قد تكون، كما تردّد، للبحث عن ذهب، إلى أزمة ثقة عميقة بين اللبنانيين وواقع أمني مضطرب. شعب عاش انفجار المرفأ، وشاهد قرى الجنوب تُمحى بذريعة الأنفاق والمخازن، لا يمكن مطالبته بالتعامل بخفة مع أي نشاط غامض تحت الأرض.
المطلوب إذاً إعلان نتائج التحقيق بشفافية وبسرعة ، وإجراء مسح أمني وتقني شامل للموقع ومحيطه، وعدم ترك فراغ تملؤه الشائعات والمخاوف والاستغلال السياسي. فطمأنة المواطنين لا تتحقق بالبيانات المقتضبة وحدها، بل بإثبات أن الدولة تعرف ما يجري فوق أرضها وتحتها، وأن لا منطقة محظورة أمام أجهزتها.
في هذه المرحلة الخطيرة، لا يحتمل لبنان أن تتحول أحياؤه السكنية إلى ساحات اشتباه، ولا أن يعيش المواطن خائفاً من أن يكون تحت منزله ما يستدعي غارة أو تفجيراً. الأمن يبدأ بالحقيقة، والسيادة تبدأ عندما لا يبقى في باطن الأرض سرّ أقوى من الدولة.
صلاح سلام - اللواء






