تتزاحم الملفات في تشابكها. في موازاة السعي لتهدئة داخلية، برزت مقومات التصعيد أو التشدد. يوم الأربعاء وصل مساعد وزير الخارجية الإيراني علي خطيب زادة إلى لبنان. واللافت أنه لم يتم تحديد له موعد مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بينما التقى برئيس مجلس النواب نبيه بري. بعيد وصوله أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً برئيس الجمهورية جوزاف عون. شدد عراقجي على المساعي الديبلوماسية واتفاق إسلام آباد، وأكد أن إيران متمسكة بمطلبها وقف إطلاق النار في لبنان. اجتماعات الديبلوماسي الإيراني ركزت على نقاط عديدة، أولها رفض إيران للحرب ولكن إعلان الجهوزية الكاملة لها. ثانيها، بحث هواجس الطائفة الشيعية في لبنان وطمأنتها بأن طهران تقف إلى جانبها. ثالثها، بحسب ما تفيد المعلومات، فإن إيران كانت تسعى إلى إعادة إطلاق حوار على مستوى المسؤولين أو بين حزب الله ورئيس الجمهورية. لكن المؤتمر الصحافي الذي عقده نائب حزب الله حسن فضل لله حول شحنة المتفجرات، ومطالبته بالتراجع عن قرار الحكومة الصادر في 2 آذار بحظر النشاط الأمني والعسكري للحزب، لا يوحي أبداً بوجود بوادر للحوار.
رسائل روبيو
الهجمة الإيرانية، قوبلت بهجمة أميركية قادها وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي أجرى اتصالاً برئيس الجمهورية جوزاف عون. كان اتصال روبيو عبارة عن تحذير واضح، وربما يندرج في سلسلة تراكمات انتظر الأميركيون التوقيت الذي يرونه مناسباً للتعبير عنها. كان عنوان الاتصال، متابعة أميركا لمسألة التحقيقات في شحنة المتفجرات وضرورة مواصلة التحقيق إلى النهاية وعدم الاكتفاء بتوقيف الشخصين اللذين ضبطا ينقلان الشحنة، بل توسيع التحقيق ليشمل مشغليهم والمسؤولين عنهم. لا ينفصل ذلك عن سياق الضغط الأميركي لتفكيك حزب الله أو لدفع الدولة اللبنانية إلى حلّ الحزب. العنوان الآخر للاتصال التعبير عن الانزعاج الأميركي من الشكوى التي قدمت بحق السفيرة اللبنانية في أميركا بسبب اتصالها بالسفير الإسرائيلي في واشنطن. ما يطالب به روبيو، نقله السفير الأميركي ميشال عيسى لعدد من النواب، وهو التقدم بقانون إلى مجلس النواب لإسقاط قانون تجريم التعامل والتواصل مع الإسرائيليين.
بنك صادرات إيران
عملياً، ليست هذه الشروط الأميركية جديدة، بل هي قديمة، ويعتبر الأميركيون أن لبنان تأخر بالإيفاء بالتزاماته بشأنها، تماماً كما ينظرون إلى مسار التباطؤ في سحب السلاح، وعدم نجاح المناطق التجريبية وعدم قيام الجيش بواجباته لجهة تطبيق قرارات الحكومة وسحب سلاح حزب الله، ومنعه من تحصيل الأموال. كان الاتصال الأميركي بمثابة تحذير واضح للدولة بضرورة المضي قدماً بما جرى الاتفاق عليه في الإطار الثلاثي. وجزء من هذا الضغط انعكس في إعلان مصرف لبنان عن سحب ترخيص بنك صادرات إيران، وهذا الطلب نقله روبيو لوزير المال اللبناني ياسين جابر خلال زيارته السابقة إلى واشنطن برفقة رئيس الحكومة نواف سلام.
البعثة الأوروبية والسلاح
تفرض الرسالة الأميركية التي نقلها روبيو على الدولة اللبنانية أن تنتقل إلى مقاربة مختلفة لكل هذه الملفات، ولا يمكن إغفال توقيت اتصال روبيو بعون عن مطالبة لبنان للأمم المتحدة بالتجديد لقوات اليونيفيل، علماً أن واشنطن ترفض ذلك بالكامل، وتعتبر أن اليونيفيل قد فشلت في مهامها. وحتى الآن لم توافق الولايات المتحدة الأميركية على نشر القوة الأوروبية في الجنوب، بينما تنتظر جولة التفاوض العسكري للبحث في الجهات التي ستكون مسؤولة عن اعتماد آليات التحقق؛ أي التحقق من عمل الجيش في سحب سلاح الحزب. تحاول الدول الأوروبية أن تكون هي معنية بآليات التحقق، بينما النص المقترح لإنشاء هذه القوة الأوروبية يشير في أحد بنوده إلى منح صلاحية لهذه القوات أن ترافق الجيش للإشراف على عمله خلال عملية سحب السلاح.
الدوحة ومظلة لبنان
على وقع التشنج الأميركي الإيراني الذي ينعكس بوضوح في لبنان كما في كل المنطقة. تبرز زيارة رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، إذ إن قطر تلعب دوراً أساسياً على مستوى الوساطة بين واشنطن وطهران لمنع تجدد الحرب، وهي تريد للبنان أن يحمي نفسه أيضاً من خلال تشكيل مظلة إقليمية ودولية تحميه من أي حرب أو تداعياتها. وهنا للزيارة أكثر من بعد، أولاً محاولة سحب فتيل التوتر الداخلي. ثانياً، السعي لتقريب وجهات النظر بين اللبنانيين ولتفادي انعكاس أي انفجار خارجي على لبنان. ثالثاً، تقديم المساعدة للدولة اللبنانية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً أيضاً، من خلال الاستعداد للدخول في مشاريع واستثمارات بملف الكهرباء بالتحديد الذي من شأنه أن يريح الوضع الداخلي ويمنع أي انفجار اجتماعي، مع الإشارة إلى أن اجتماعات عديدة عقدت بين مسؤولين لبنانيين ومسؤولين قطريين للبحث في استثمار قطر بقطاع الكهرباء وإنشاء معملين إلى جانب مساهمة قطر في إيصال الغاز إلى لبنان وإنتاج الكهرباء على الغاز.
إيقاعان متناقضان
يسير لبنان على إيقاع المنطقة، هي التي تسير على إيقاعين متناقضين. الأول الحفاظ على مسارات التفاوض على الرغم من تعثرها وعدم تحقيقها التقدم المطلوب. والثاني، التهديد القائم والمفتوح والمستمر الذي قد ينفجر في أي لحظة تصعيداً غير محسوب أو متوقع. وعندها سيشتمل التصعيد على المنطقة ككلها، إما بتوقيت متزامن أو بالتدرج ووفق ما تفرضه الوقائع الميدانية. لبنان سيبقى عالقاً في حالة الترقب هذه، فالزيارة الإيرانية إليه دليل على حضور إيران وتمسكها بالملف ديبلوماسياً في المفاوضات، وعسكرياً إن اندلعت الحرب الواسعة. في المقابل، واشنطن خصوصاً وزير الخارجية ماركو روبيو يرفض أي دور لإيران في لبنان وهو من أكثر المتشددين ضدها.
الحزب يتحدى
حزب الله يواصل تحدي الأميركيين والإسرائيليين، من الإعلان على برنامج المساعدات والأموال التي حصل عليها إلى تبني شحنة المتفجرات وما يعنيه ذلك من إعلان الحزب عن مواصلته بناء قدراته العسكرية والاستمرار بالتسلح، في تجاوز واضح لقرارات الحكومة اللبنانية أو لاتفاق الإطار. وهو الأمر الذي ستستغله واشنطن وتل أبيب لمضاعفة الضغوط على لبنان، أو لإعادة توسيع العمليات العسكرية.
منير الربيع - المدن






