جوانا فرحات
المركزية – تحت عنوان "سفر شخصي وعائلي" وبذريعة أنه كان مخططاً له منذ أشهر مسبقاً" قطع النائب جورج بوشكيان تذكرة سفر ذهاباً إلى كندا -وليس معلوما إذا كانت إياباً- وغادر لبنان في 7 تموز الجاري .
قانونا لا يعتبر بوشكيان فاراً من العدالة طالما أنه خرج من البلاد قبل صدور أي قرار قضائي بطلب رفع الحصانة، إذ إن طلب النائب العام التمييزي رفع الحصانة صدر في 9 تموز، أي بعد مغادرته بيومين . وفور تبلغه بقرار رفع الحصانة، سارعت دفاعاته القانونية لتقديم كتابات رسمية إلى رئاسة المجلس، ومكتب المجلس، ولجنة الإدارة والعدل، مرفقة بمذكرة دفاع مفصلة. وفي بيان أكد بوشكيان أن مغادرته لم تكن بهدف التهرب من الملاحقة، وأنه أخطر مجلس النواب بنيّته بالسفر مسبقًا.
مصدر قضائي يوضح لـ"المركزية" أن طلب النيابة العامة رفع الحصانة عن النائب بوشكيان جاء بعد استماع النائب العام التمييزي إلى إفادته كشاهد وقرر رفع طلب الحصانة لاحقاً بناء على شبهات فساد تشمل اختلاس وتلقي رشاوى وابتزاز أصحاب معامل. وبناء على ذلك بادر مجلس النواب سريعا إلى إنهاء مقتضيات الإجراءات البرلمانية بشأن رفع الحصانة بعد مغادرة بوشكيان بيومين، ولم يكن بحوزته أي إخلال واضح.
المرجح في جلسة الهيئة العامة لمجلس النواب المقرّرة يوم غد الأربعاء أن يصار إلى طلب تشكيل لجنة تحقيق نيابية كما حصل سابقا في الملف المتعلق بوزراء اتصالات سابقين وطرحها على جدول الأعمال، على أن يكون التصويت سريا بناء على ما حدده نائب رئيس المجلس الياس أبو صعب وتعلن النتيجة فوراً، هذا في حال تأمين نصاب الجلسة بحضور 65 نائباً على الأقل. و لتمرير القرار يجب أن يكون التصويت على أساس النصف زائدا واحدا. وفي حال قبول طلب رفع الحصانة يُرفع الحاجز القانوني، و يحال الملف إلى القضاء للنظر في الحيثيات، ويرجح المصدر إصدار بطاقات توقيف واستدعاء بوشكيان للمثول أمام قاضٍ، وبدء إجراءات التحقيق والمحاكمة. أما في حال رفض الطلب يتعذّر على القضاء المضي قُدمًا، إلّا إذا ثبت جرم مشهود خلال انعقاد الجلسة. ويُمكن أن يعاد طرح الطلب بعد انتهاء الدورة النيابية أو بتغير الظروف.
"رفع الحصانة لا يعني إدانة، بل مجرد فتح المجال أمام التحقيق القضائي. وغالباً ما يستخدم التصويت كاختبار لمدى استقلالية المجلس وتحقيق التوازن بين الطبقة السياسية والمحاسبة الأمنية ". فهل يتّبع البرلمان مسار الإصلاح القضائي أم الحماية لمصالح سياسية معينة؟
في لبنان، يقول المحامي جورج فيعاني لـ"المركزية" "إن قرار رفع الحصانة النيابية يخضع لإجراءات دقيقة. ويلفت إلى أن النائب يتمتع بحصانتين: الأولى وتعرف بإسم الحصانة الموضوعية بحسب المادة 39 من الدستور وتنص على أنه "لا يمكن ملاحقة النائب بسبب الآراء والأفكار التي يُبديها خلال ممارسته لوظيفته النيابية". و الحصانة الإجرائية وهي موقتة بحسب المادة 40، وفيها "لا يجوز، خلال دورة الانعقاد، اتخاذ إجراءات جزائية بحق النائب، أو توقيفه، ما لم يأذن المجلس بذلك، إلا في حالة الجرم المشهود". إضافة إلى ما نص عليه نظام المجلس وفق المادة 90".
في حال الجرم المشهود، يمكن توقيف النائب فورًا من دون أخذ الإذن من المجلس، لكن على القضاء إبلاغه لاحقاً، وتجوز ملاحقة النائب من دون الحاجة لإذن المجلس خارج دورات الانعقاد.لكن ما يحصل في غالبية الأحيان أن المجلس يعمد إلى تأجيل الجلسات أو تأخير الإدراج على الجدول، ما يُعد من وسائل التعطيل غير الرسمي"يختم فيعاني.
منذ العام 1952 حتى اليوم تم رفع الحصانة عن 5 نواب فقط ولم يصدر حكم فعلي أو محاكمة علنية بحق أي من النواب المنزوعة حصاناتهم إلا النائب يحيى شمص الذي رُفعت عنه الحصانة عام 1994 بعد اتهامه بعمليات تهريب مخدرات وأصدرت محكمة جنايات بيروت آنذاك حكماً بسجنه أربع سنوات في تموز 1996 ثم أفرج عنه بموجب قانون عفو عام عن جرائم المخدرات. واللافت أن كل التحليلات جزمت - ولا تزال – أن ملف النائب شمص كان سياسياً بامتياز ومفبركاً بالكامل بسبب صراعات مع أزلام الاحتلال السوري آنذاك.
أما النواب الذين انتزعت عنهم الحصانات فهم على التوالي، رفعت قزعون الذي رفعت عنه الحصانة عام 1952 بتهمتي حيازة السلاح في سيارته والتحريض على قتل صحافي، ويرجح ان تكون أُسقِطت القضية ضمن تسويات سياسية في تلك الفترة.
النائب نجيب صالحة وقد تم رفع الحصانة عنه عام 1966 بتهمة ارتباطه بإفلاس بنك "انترا"، إذ كان عضوًا في مجلس إدارة البنك. وفي هذا الملف أيضا لم يصدر أي حكم أو متابعة قضائية فعلية، ويرجح أن تكون توقفت أو لم تُستكمل بشكل علني.
النائب حبيب حكيم وقد انتزعت عنه الحصانة عام 1999 بتهمة ملف "محرقة برج حمود" وإهدار المال العام. ولم يصدر أي حكم بحقه واعتبر إجراء رفع الحصانة شكلياً لتسهيل العمل القضائي.
النائب شاهيه برصوميان عام 2000 بتهمة التورط في ملفات "الرواسب النفطية" أو "الرواسب الزرقاء". ولا يوجد أثر لمحاكمة أو حكم علني صادر بحقه، ويرجح أنه تمت تبرئته لاحقًا ضمن تسويات سياسية أو قضائية.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هل يكون ملف جورج بوشكيان مقدمة لإعادة الاعتبار إلى نزاهة القضاء والعمل التشريعي، أم تنزع عنه الحصانة وينام الملف في الأدراج كما اسلافه؟






